الحلبي
338
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الخلق فهي تفرغ القلب عن أشغال الدنيا لدوام ذكر اللّه تعالى ، فيصفو وتشرق عليه أنوار المعرفة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده . وكان يخلو بغار حراء بالمد والقصر ، وهذا الجبل هو الذي نادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله إلي يا رسول اللّه لما قال له ثبير وهو على ظهره : اهبط عني ، فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب ، فكان صلى اللّه عليه وسلم يتحنث : أي يتعبد به أي بغار حراء الليالي ذوات العدد ، ويروى أولات العدد : أي مع أيامها ، وإنما غلب الليالي لأنها أنسب بالخلوة . قال بعضهم : وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد ، فتارة كان ثلاث ليال ، وتارة سبع ليال ، وتارة شهر رمضان أو غيره . وفي كلام بعضهم ما قد يدل على أنه لم يختل صلى اللّه عليه وسلم أقل من شهر ، وحينئذ يكون قوله في الحديث الليالي ذوات العدد محمول على القدر الذي كان يتزود له فإذا فرغ زاده رجع إلى مكة وتزود إلى غيرها إلى أن يتم الشهر ، وكذا قول بعضهم ؟ فتارة كان ثلاث ليال ، وتارة سبع ليال ، وتارة شهرا . ولم يصح أنه صلى اللّه عليه وسلم اختلى أكثر من شهر . قال السراج البلقيني في شرح البخاري : لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده عليه الصلاة والسلام ، هذا كلامه وسيأتي بيان ذلك قريبا . ثم إذا مكث صلى اللّه عليه وسلم تلك الليالي : أي وقد فرغ زاده يرجع إلى خديجة رضي اللّه تعالى عنها فيتزود لمثلها : أي قيل وكانت زوادته صلى اللّه عليه وسلم الكعك والزيت . وفيه أن الكعك والزيت يبقى المدة الطويلة ، فيمكث جميع الشهر الذي يختلى فيه ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر مدة الخلوة كانت شهرا ، فكان يتزود لبعض ليالي الشهر فإذا نفد ذلك الزاد رجع إلى أهله يتزود قدر ذلك ، ولم يكونوا في سعة بالغة من العيش ، وكان غالب أدمهم اللبن واللحم ، وذلك لا يدخر منه لغاية شهر لئلا يسرع الفساد إليه ، ولا سيما وقد وصف بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يطعم من يرد عليه هذا كلامه . وهو يشير فيه إلى ثلاثة أجوبة : الأول : أنه لم يكن في سعة بحيث يدخر ما يكفيه شهرا من الكعك والزيت . الثاني : أن غالب أدمهم كان اللحم واللبن وهو لا يدخر شهرا . الثالث : أنه على فرض أن يدخر ما يكفيه شهرا أي من الكعك والزيت إلا أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يطعم فربما نفد ما ادخره . وإنما اختار الزيت للأدم لأن دسومته لا ينفر منها الطبع ، بخلاف اللبن واللحم ، ومن ثم جاء « ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة » وقوله : « ائتدموا من هذه الشجرة المباركة » أي من عصارة ثمرة هذه الشجرة المباركة التي هي الزيتونة وهو الزيت . وقيل لها مباركة لأنها لا تكاد تنبت إلا في شريف