الحلبي

339

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

البقاع التي بورك فيها كأرض بيت المقدس ، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء : أي في اليوم والشهر المتقدم ذكر . وعن عبيد بن عمير رضي اللّه عنه « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا ، وكان ذلك مما تتحنث فيه قريش في الجاهلية » أي المتألهين منهم : أي وكان أول من تحنث فيه من قريش جده صلى اللّه عليه وسلم عبد المطلب ، فقد قال ابن الأثير : أول من تحنث بحراء عبد المطلب ، كان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين ثم تبعه على ذلك من كان يتأله : أي يتعبد كورقة بن نوفل وأبي أمية بن المغيرة ، وقد أشار إلى تعبده صلى اللّه عليه وسلم صاحب الهمزية بقوله : ألف النسك والعبادة والخل * وة طفلا وهكذا النجباء وإذا حلت الهداية قلبا * نشطت في العبادة الأعضاء أي ألف صلى اللّه عليه وسلم العبادة والخلوة في حال كونه طفلا ، ومثل هذا الشأن العلى شأن الكرام ، وإنما كان هذا شأن الكرام ، لأنه إذا حلت الهداية قلبا نشطت الأعضاء في العبادة ، لأن القلب رئيس البدن المعول عليه في صلاحه وفساده ولعل الخلوة في كلام صاحب الهمزية المراد بها مطلق اعتزاله للناس ، وأراد بطفلا زمن رضاعه صلى اللّه عليه وسلم عند حليمة . فقد تقدم عنها رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت : لما ترعرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يخرج إلى الصبيان وهم يلعبون فيتجنبهم لا خصوص اعتزاله الناس في غار حراء فلا ينافي قوله طفلا ظاهر ما تقدم من أن خلوته صلى اللّه عليه وسلم بغار حراء كانت في زمن تزوجه صلى اللّه عليه وسلم بخديجة رضي اللّه تعالى عنها ، فكان صلى اللّه عليه وسلم يجاور ذلك الشهر ، يطعم من جاءه من المساكين : أي لأنه كان من نسك قريش في الجاهلية : أي في ذلك المحل أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين . وقد قيل إن هذا كان تعبده في غار حراء أي مع الانقطاع عن الناس ، وإلا فمجرد إطعام المساكين لا يختص بذلك المحل : إلا إن كان ذلك المحل صار في ذلك الشهر مقصودا للمساكين دون غيره . وقيل كان تعبده صلى اللّه عليه وسلم التفكر مع الانقطاع عن الناس : أي لا سيما إن كانوا على باطل ، لأن في الخلوة يخشع القلب وينسى المألوف من مخالطة أبناء الجنس المؤثرة في البنية البشرية ، ومن ثم قيل : الخلوة صفوة الصفوة . وقول بعضهم : كان يتعبد بالتفكر : أي مع الانقطاع عما ذكرنا ، وإلا فمجرد التفكر لا يختص بذلك المحل ، إلا أن يدعي أن التفكر فيه أتم من التفكر في غيره لعدم وجود شاغل به . وقيل تعبده صلى اللّه عليه وسلم كان بالذكر وصححه في « سفر السعادة » وقيل بغير ذلك .