الحلبي
337
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وإذا ذهب النوم من أكثر القلب كانت الرؤيا أصفى وذكر الفخر الرازي أن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها ، أي أثرها عن قرب ، والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين . والسبب فيه أن حكمة اللّه تعالى تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل . وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذكر الخير أكثر ، وهذا جري على ما هو الغالب ، وإلا فقد قيل لجعفر الصادق : كم تتأخر الرؤيا ؟ فقال : « رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم في منامه كأن كلبا أبقع يلغ في دمه » فكان أي ذلك الكلب الأبقع شمرا قاتل الحسين وكان أبرص ، فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة . وجاء عن عمرو بن شرحبيل أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لخديجة : « إذا خلوت سمعت نداء أن يا محمد يا محمد » وفي رواية « أرى نورا » أي يقظة لا مناما « وأسمع صوتا وقد خشيت أن يكون واللّه لهذا الأمر » وفي رواية « واللّه ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ولا الكهان ، وإني لأخشى أن أكون كاهنا » أي فيكون الذي يناديني تابعا من الجن ، لأن الأصنام كانت الجن تدخل فيها ، وتخاطب سدنتها ، والكاهن يأتيه الجني بخبر السماء وفي رواية « وأخشى أن يكون بي جنون » أي لمة من الجن « فقالت : كلا يا بن عم ما كان اللّه ليفعل ذلك بك ، فو اللّه إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث » وفي رواية « إن خلقك لكريم » أي فلا يكون للشيطان عليك سبيل . استدلت رضي اللّه تعالى عنها بما فيه من الصفات العلية والأخلاق السنية على أنه لا يفعل به إلا خيرا ، لأن من كان كذلك لا يجزى إلا خيرا . ونقل الماوردي عن الشعبي أن اللّه قرن إسرافيل عليه السلام بنبيه ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ، يعلمه الشيء بعد الشيء ولا يذكر له القرآن ، فكان في هذه المدة مبشرا بالنبوة ، وأمهله هذه المدة ليتأهب لوحيه . وفيه أنه لو كان في تلك المدة مبشرا بالنبوة ما قال لخديجة ما تقدم ، إلا أن يقال ما تقدم إنما قاله لخديجة في أول أمر ، ويدل لذلك ما قيل إنه صلى اللّه عليه وسلم مكث خمس عشرة سنة يسمع الصوت أحيانا ولا يرى شخصا ، وسبع سنين يرى نورا ولم ير شيئا غير ذلك ، وإن المدة التي بشر فيها بالنبوة كانت ستة أشهر من تلك المدة التي هي اثنان وعشرون سنة ، وهذا الشيء الذي كان يعلمه له إسرافيل لم أقف على ما هو ، واللّه أعلم . وبعد ذلك حبب اللّه إليه صلى اللّه عليه وسلم الخلوة التي يكون بها فراغ القلب والانقطاع عن