الحلبي

263

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

المؤمنين هذا سرور لولا أنه غرور ، ونعيم لولا أنه عديم ، وملك لولا أنه هلك ، وفرح لو لم يعقبه ترح ، ولذات لو لم تقترن بآفات ، وكرامة لو صحبتها سلامة ، فبكى سليمان رحمه اللّه حتى أخضلت دموعه لحيته . وولاية عمر بن عبد العزيز بشّر بها جده لأمه عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه . فعنه رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : إن من ولدي رجلا بوجهه شين . وفي رواية : علامة ، يملأ الأرض عدلا ، فكان ولده عبد اللّه يقول كثيرا : ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا . وفي رواية عنه كان يقول : يا عجبا يزعم الناس أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر . قال بعضهم : فإذا هو عمر بن عبد العزيز ، لأن أمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه . ومما يؤثر عن سليمان رحمه اللّه تعالى أنه لما ولي الخلافة وقام خطيبا قال : الحمد للّه الذي ما شاء صنع ، وما شاء رفع ، ومن شاء وضع ، ومن شاء أعطى ، ومن شاء منع ، إن الدنيا دار غرور ، تضحك باكيا وتبكي ضاحكا ، وتخيف آمنا ، وتؤمن خائفا . وقال في خطبة من خطبه أيضا : أيها الناس أين الوليد وأبو الوليد وجد الوليد ؟ أسمعهم الداعي ، واستردّ العواري ، واضمحل ما كان كائن ، لم يكن أذهب عنهم ثابت الحياة ، وفارقوا القصور ، واستبدلوا بلين الوطء خشن التراب ، فهم رهناء فيه إلى يوم المآب ، فرحم اللّه عبدا مهد لنفسه : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [ آل عمران : الآية 30 ] . ولما ولي الخلافة أبو جعفر المنصور أراد أن يا بني الكعبة على ما بناها ابن الزبير وشاور الناس في ذلك ، فقال له الإمام مالك بن أنس : أنشدك اللّه : أي بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة : أي أسألك باللّه يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك ، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره ، فتذهب هيبته من قلوب الناس ، فصرفه عن رأيه فيه . قال : وذكر الطبري في مناسكه أن الذي أراد ذلك ونهاه مالك هو الرشيد ا ه . أقول : وكونه الرشيد هو الذي ذكره المقريزي . واقتصر عليه ، ولأن المنصور مات محرما ببئر ميمونة لستة أيام خلون من ذي الحجة فلم يدخل مكة . وقد يقال : يجوز أن يكون دخل المدينة قبل سيره إلى مكة ، واستشار الناس في المدينة فقال له الإمام مالك ما تقدم ، وأن الرشيد أيضا أراد ذلك ، واستشار الإمام مالكا فأشار عليه بما ذكر .