الحلبي

264

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ثم رأيت في تاريخ ابن كثير : لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالكا في ردها : أي الكعبة على الصفة التي بناها ابن الزبير ، فقال له : إني أخشى أن تتخذها الملوك لعبة . ورأيت في كلام بعضهم أن المنصور حج ، وأنه لما قضى الحج والزيارة توجه إلى زيارة بيت المقدس ، ولعل هذا كان في حجة غير هذه التي مات فيها . ثم رأيت في تاريخ ابن كثير أن المنصور حج وهو خليفة أربع حجاب غير الحجة التي مات فيها . وكذا في « القرى لقاصد أم القرى » للطبري . وذكر أنه مات في الحجة الخامسة قبل يوم التروية بيومين ، وأنه أحرم في بعض حججه من بغداد . وقد ذكر الشيخ الصفوي أن المنصور بلغه أن سفيان الثوري ينقم عليه في عدم إقامة الحق ، فلم توجه المنصور إلى الحج وبلغه أن سفيان بمكة أرسل جماعة أمامه ، وقال لهم : حيثما وجدتم سفيان خذوه واصلبوه ، فنصبوا الخشب ليصلبوا سفيان عليه ، وكان سفيان بالمسجد الحرام ، رأسه في حجر الفضيل بن عياض ، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة ، فقيل له خوفا عليه : باللّه لا تشمت بنا الأعداء ، قم فاختف ، فقام ومشى حتى وقف بالملتزم وقال : : ورب هذه الكعبة لا يدخلها يعني مكة المنصور ، وكان وصل إلى الحجون فزلقت به راحلته فوقع عن ظهرها ومات من فوره ، فخرج سفيان وصلى عليه ، هذا كلامه . وقد يقال : لا مخالفة بين هذا وبين ما تقدم أنه مات ببئر ميمونة ، لأنه يجوز أن يكون المراد بوصوله إلى الحجون وصول خيله وركبه فليتأمل . ثم رأيت في تاريخ ابن كثير أن المنصور لما خرج للحج وجاوز الكوفة بمراحل ، أخذه وجعه الذي مات فيه ، وأفرط به الإسهال ، ودخل مكة فنزل بها وتوفي ، ولعل هذا لا يخالف ما سبق ، لأنه يجوز أنه أطلق مكة على المحل القريب منها ، وأنه مع انطلاق بطنه زلقت به فرسه . قيل وآخر ما تكلم به المنصور : اللّهم بارك لي في لقائك . ومما يؤثر عنه : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه ، واللّه أعلم . وتقدم أن قصيا لما أمر قريشا أن تبني حول الكعبة بيوتها ، فبنيت بيوتها من جهاتها الأربع وتركوا قدر المطاف ، واستمر الأمر على ذلك زمنه صلى اللّه عليه وسلم وزمن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ، فلما ولي عمر رضي اللّه تعالى عنه رأى أن يوسع حول الكعبة ، فاشترى دورا وهدمها ووسع حول الكعبة ، وبنى جدارا قصيرا على ذلك ، وجعل فيه أبوابا ، ثم وسعه عثمان ، ثم عبد اللّه بن الزبير .