الحلبي

249

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فهلمي لأريك ما تركوا منه ، فأراها قريبا من ستة أذرع » وتقدم أن هذا يرد قول بعضهم : أن ابن الزبير أدخل في بنائه جميع الحجر . قال بعضهم : وهذا منه صلى اللّه عليه وسلم تصريح بالإذن في أن يفعل ذلك بعده صلى اللّه عليه وسلم عند القدرة عليه والتمكن منه . وقد قال المحب الطبري : وهذا الحديث يعني حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها يدل تصريحا وتلويحا على جواز التغيير في البيت إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة . قال الشهاب ابن حجر الهيتمي : ومن الواضح البين أن ما وهي وتشقق منها في حكم المنهدم أو المشرف على الانهدام فيجوز إصلاحه ، بل يندب بل يجب هذا كلامه . وفي شعبان سنة تسع وثلاثين وألف جاء سيل عظيم بعد صلاة العصر يوم الخميس لعشرين من الشهر المذكور هدم معظم الكعبة ، سقط به الجدار الشامي بوجهيه ، وانحدر معه في الجدار الشرقي إلى حد الباب ، ومن الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس ، وهدم أكثر بيوت مكة ، وأغرق في المسجد جملة من الناس خصوصا الأطفال ، فإن الماء ارتفع إلى أن سد الأبواب . وعند مجيء الخبر بذلك إلى مصر جمع متوليها الوزير محمد باشا وهو الوزير الأعظم الآن : أي في سنة ثلاثة وأربعين وألف جمعا من العلماء كنت من جملتهم ، ووقعت الإشارة بالمبادرة للعمارة ، وقد جعلت للوزير المذكور في ذلك رسالة لطيفة وقعت منه موقعا كبيرا ، وأعجب بها كثيرا ، حتى أنه دفعها لمن عبر عنها باللغة التركية ، وأرسل بها لحضرة مولانا السلطان مراد أعز اللّه أنصاره ، وذكرت فيها أن الحق أن الكعبة لم تبن جميعها إلا ثلاث مرات المرة الأولى : بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام . والثانية : بناء قريش ، وكان بينهما ألفا سنة وسبعمائة سنة وخمس وسبعون سنة . والثالثة : بناء عبد اللّه بن الزبير : أي وكان بينهما نحو اثنتين وثمانين سنة : أي وأما بناء الملائكة وبناء آدم وبناء شيث لم يصح . وأما بناء جرهم والعمالقة وقصي فإنما كان ترميما . ولم تبن بعد هدمها جميعها إلا مرتين : مرة زمن قريش ، ومرة زمن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه . وحينئذ يكون ما جاء في الحديث « استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع ، وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة » معناه قد يهدم مرتين ويرفع في الهدم الثالث من الدنيا . وذكر الإمام البلقيني أن كون ابن الزبير أول من كسا الكعبة الديباج أشهر من