الحلبي

248

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

بالكوفة سنة سبعين ومائتين ، يزعمون أن لا غسل من الجنابة ، وحل الخمر ، وأنه لا صوم في السنة إلا يوم النيروز والمهرجان ، ويزيدون في أذانهم ، وأن محمد ابن الحنفية رسول اللّه وأن الحج والعمرة إلى بيت المقدس وافتتن بهم جماعة من الجهال وأهل البراري ، وقويت شوكتهم حتى انقطع الحج من بغداد بسببه وسبب ولده أبي طاهر ، فإن ولده أبا طاهر بنى دارا بالكوفة وسماها دار الهجرة ، وكثر فساده ، واستيلاؤه على البلاد وقتله المسلمين وتمكنت هيبته من القلوب ، وكثرت أتباعه ، وذهب إليه جيش الخليفة المقتدر باللّه السادس عشر من خلفاء بني العباس غير ما مرة وهو يهزمهم . ثم إن المقتدر سير ركب الحاج إلى مكة فوافاهم أبو طاهر يوم التروية فقتل الحجيج بالمسجد الحرام وفي جوف الكعبة قتلا ذريعا ، وألقى القتلى في بئر زمزم ، وضرب الحجر الأسود بدبوسه فكسره ، ثم اقتلعه وأخذه معه ، وقلع باب الكعبة ، ونزع كسوتها وشققها بين أصحابه ، وهدم قبة زمزم وارتحل عن مكة بعد أن أقام بها أحد عشر يوما ومعه الحجر الأسود ، وبقي عند القرامطة أكثر من عشرين سنة : أي والناس يضعون أيديهم محله للتبرك ، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع ، وهو الرابع والعشرون من خلفاء بني العباس ، فأعيد الحجر إلى موضعه ، وجعل له طوق فضة شد به زنته ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعون درهما ونصف . قال بعضهم : تأملت الحجر وهو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط وسائره أبيض ، وطوله قدر عظم الذراع . وبعد القرامطة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة قام رجل من الملاحدة وضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات بدبوس فتشقق وجه الحجر من تلك الضربات ، وتساقطت منه شظيات مثل الأظفار ، وخرج مكسره أسمر يضرب إلى الصفرة محببا مثل حب الخشخاش فجمع بنو شيبة ذلك الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوه في تلك الشقوق وطلوه بطلاء من ذلك ، وجعل طول الباب أحد عشر ذراعا والباب الآخر بإزائه كذلك . فلما فرغ من بنائها خلقها من داخلها وخارجها بالخلوق أي الطيب والزعفران ، وكساها القباطيّ : أي وهي ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر . وفي كلام بعضهم أول من كسا الكعبة الديباج عبد اللّه بن الزبير . وأقول : وبناء عبد اللّه للكعبة من جملة أعلام النبوة لأنه من الإخبار بالمغيبات . ففي نص حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها « فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه