الحلبي

189

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

البر يلبك بالشهاب طعامهم * لا ما يعللنا بنو جدعان فبلغ شعره عبد اللّه بن جدعان فأرسل إلى بصرى الشام يحمل إليه البر والشهد والسمن وجعل ينادي مناد ألا هلموا إلى جفنة عبد اللّه بن جدعان . ومن مدح أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان قوله : أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إن سيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضك الثناء كريم لا يغيره صباح * عن الخلق الجميل ولا مساء يباري الريح مكرمة وجودا * إذا ما الضب أجحره الشتاء وكان عبد اللّه بن جدعان ذا شرف وسن ، وإنه من جملة من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية أي بعد أن كان بها مغرما . وسبب ذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يده ويقبض على ضوء القمر ليمسكه ، فضحك منه جلساؤه ثم أخبروه بذلك حين صحا ، فحلف أن لا يشربها أبدا . وممن حرمها على نفسه في الجاهلية عثمان بن مظعون رضي اللّه تعالى عنه ، وقال : لا أشرب شيئا يذهب عقلي ، ويضحك بي من هو أدنى مني ، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد . فصنع لهم عبد اللّه بن جدعان طعاما ، وتعاقدوا وتعاهدوا باللّه ليكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بلّ بحر صوفة : أي الأبد . وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها : « أنها قالت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ، ويقري الضيف ، ويفعل المعروف ، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة ؟ فقال : لا ، لأنه لم يقل يوما ، وفي رواية : أنه لم يقل ساعة من ليل أو نهار رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » رواه مسلم : أي لم يكن مسلما ، لأن القول المذكور لا يصدر إلا عن مسلم ، فلا يقال مقتضى الحديث أنه لو قال ذلك لنفعه ما ذكر يوم القيامة مع كونه كان كافرا ، لأنه ممن أدرك البعثة ولم يؤمن ، وحينئذ يسأل عن الحكمة عن عدوله صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك عن قوله لأنه لم يؤمن بي ، أو لم يكن مسلما : أي وكان يكنى أبا زهير ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم في أسرى بدر : « لو كان أبو زهير أو مطعم بن عدي حيا فاستوهبهم لوهبتهم له » . وقد ذكر أن جفنة ابن جدعان كان يأكل منها الراكب على البعير : أي وسيأتي في غزوة بدر « أنه صلى اللّه عليه وسلم ذكر أنه ازدحم هو وأبو جهل وهما غلامان على مائدة لابن جدعان ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم دفع أبا جهل لعنه اللّه فوقع على ركبته فجرحت جرحا أثر فيها »