الحلبي

190

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وقد جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « كنت أستظل بجفنة عبد اللّه بن جدعان في صكة عمي » أي في الهاجرة ، وسميت الهاجرة بذلك ، لأن عمى تصغير أعمى على الترخيم : رجل من العماليق أوقع بالعدو القتل في مثل ذلك الوقت . وقيل هو رجل من عدوان كان فقيه العرب في الجاهلية ، فقدم في قومه معتمرا ، فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه وهم في نحر الظهيرة : من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين ، فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد في وقت الظهيرة ، ولعل هذا لا يخالفه قول ابن عباس رضي اللّه عنهما : عجلنا الرواح للمسجد صكة الأعمى ، فقيل ما صكة الأعمى ؟ قال : إنه لا يبالي أية ساعة خرج . وكان عبد اللّه بن جدعان في ابتداء أمره صعلوكا ، وكان مع ذلك شريرا فتاكا لا يزال يجني الجنايات ، فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته ، وطرده أبوه ، وحلف لا يأويه أبدا ، فخرج هائما في شعاب مكة يتمنى الموت ، فرأى شقا في جبل فدخل فإذا ثعبان ، عظيم له عينان تتقدان كالسراج ، فلما قرب منه حمل عليه الثعبان فلما تأخر انساب : أي رجع عنه ، فلا زال كذلك حتى غلب على ظنه أن هذا مصنوع ، فقرب منه ومسكه بيده فإذا هو من ذهب وعيناه ياقوتتان ، فكسره ثم دخل المحل الذي كان هذا الثعبان على بابه ، فوجد فيه رجالا من الملوك ، ووجد في ذلك المحل أموالا كثيرة من الذهب والفضة ، وجواهر كثيرة من الياقوت واللؤلؤ والزبرجد ، فأخذ منه ما أخذ ، ثم علم ذلك الشق بعلامة وصار ينقل منه ذلك شيئا فشيئا ، ووجد في ذلك الكنز لوحا من رخام فيه : أنا نفيلة بن جرهم بن قحطان بن هود نبي اللّه ، عشت خمسمائة عام ، وقطعت غور الأرض باطنها وظاهرها في طلب الثروة والمجد والملك ، فلم يكن ذلك ينجي من الموت ، ثم بعث عبد اللّه بن جدعان إلى أبيه بالمال الذي دفعه في جناياته ، ووصل عشيرته كلهم فسادهم ، وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ، ويفعل المعروف . قال : وفي رواية : تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها ، ولا يقر ظالم على مظلوم : أي وحينئذ فالمراد بالفضول ما يؤخذ ظلما . وقيل : إن هذا أي رد الفضول مدرج من بعض الرواة . زاد بعضهم : على ما بلّ بحر صوفة ، وما رسا حراء وثبير مكانيهما ا ه : أي والمراد الأبد كما تقدم ، وكان معهم في ذلك الحلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار بني جدعان حمر النعم » أي الإبل « وأني أغدر به » بالغين المعجمة والدال المهملة : أي لا أحب الغدر به وإن أعطيت حمر النعم في ذلك . قال : وفي رواية « لقد شهدت في دار عبد اللّه بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم » أي