الحلبي
181
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أبيهم إبراهيم ، فما حجر تطوف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ، ثم تفرقوا في البلاد يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم ، وظاهر هذا السياق أن تركهم للأوثان كان بعد عبادتهم لها ، وسيأتي عن ابن الجوزي أنهم لم يعبدوها . وهؤلاء الثلاثة الذين زيد بن عمرو رابعهم : ورقة بن نوفل ، وعبيد اللّه بن جحش ابن عمته صلى اللّه عليه وسلم أميمة ، وعثمان بن الحويرث . وزاد ابن الجوزي على هؤلاء الأربعة جماعة آخرين سيأتي الكلام عليهم عند الكلام على أول من أسلم . وزيد بن عمرو بن نفيل هذا كان ابن أخي الخطاب والد سيدنا عمر أخاه لأمه . فأما ورقة فلم يدرك البعثة على ما سيأتي . وكان ممن دخل في النصرانية : أي بعد دخوله في اليهودية كما سيأتي . وأما عبيد اللّه بن جحش ، فأدرك البعثة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر من المسلمين ثم تنصر هناك كما سيأتي ، وكان يمر على المسلمين ويقول لهم : فتحنا وصأصأتم : أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا ومات على النصرانية . وأما عثمان بن الحويرث ، فلم يدرك البعثة ، وقدم على قيصر ملك الروم وتنصر عنده . وأما زيد بن عمرو بن نفيل هذا ، كان يوبخ قريشا ويقول لهم : والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري ، حتى أن عمه الخطاب أخرجه من مكة وأسكنه بحراء ، ووكل به من يمنعه من دخول مكة كراهة أن يفسد عليهم دينهم ، ثم خرج يطلب الحنيفية دين إبراهيم ، ويسأل الأحبار والرهبان عن ذلك حتى بلغ الموصل ، ثم أقبل إلى الشام فجاء إلى راهب به كان انتهى إليه علم أهل النصرانية فسأله عن ذلك ، فقال له : إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها : يبعث بدين إبراهيم الحنيفية ، فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه ، فخرج سريعا يريد مكة ، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه وقتلوه ودفن بمكان يقال له ميفعة . وقيل دفن بأصل جبل حراء . هذا وفي كلام الواقدي عن زيد بن عمرو أنه قال لعامر بن ربيعة وأنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل . ولا أرى أن أدركه ، وأن أدين به وأصدقه ، وأشهد أنه نبي ، فإن طالت بك مدة فرأيته فسلم مني عليه ، قال عامر : فلما أسلمت بلغته صلى اللّه عليه وسلم عن زيد السلام قال : فرد عليه السلام وترحم عليه . وتقدم أن ولده سعيدا سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يستغفر لأبيه زيد ، فقال نعم أستغفر له الحديث . قال : وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « دخلت