الحلبي
180
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ومن ذلك ما روته عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير اللّه تعالى : أي فكان يقول لقريش : الشاة خلقها اللّه عز وجل ، وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم اللّه ، فما ذقت شيئا ذبح على النصب - أي الأصنام - حتى أكرمني اللّه تعالى برسالته » أي وزيد بن عمرو كان قبل النبوة زمن الفترة على دين إبراهيم عليه السلام ، فإنه لم يدخل في يهودية ولا نصرانية ، واعتزل الأوثان والذبائح التي تذبح للأوثان ، ونهى عن الوأد ، وتقدم أنه كان يحييها إذا أراد أحد ذلك ، أخذ الموؤودة من أبيها وتكفلها ، وكان إذا دخل الكعبة يقول : لبيك حقا ، تعبدا وصدقا . وقيل : ورقا عذت بما عاذ به إبراهيم ، ويسجد للكعبة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنه يبعث أمة وحده » أي يقوم مقام جماعة انتهى : أي فإن ولده سعيدا قال : « يا رسول اللّه إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له ، قال نعم أستغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده » . وفي البخاري عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن ينزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم الوحي وقد قدمت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم سفرة - أي فيها شاة ذبحت لغير اللّه عز وجل أو قدمها النبي صلى اللّه عليه وسلم إليه - فأبى أن يأكل منها وقال : إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم اللّه عليه » ولعل هذا كان قبل ما تقدم عنه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن ذلك كان هو السبب في ذلك . قال الإمام السهيلي : وفيه سؤال كيف وفق اللّه عز وجل زيدا إلى ترك ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم اللّه عليه ، ورسوله صلى اللّه عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية ، لما ثبت من عصمة اللّه تعالى له ؟ أي فكان صلى اللّه عليه وسلم يترك ذلك من عند نفسه لا تبعا لزيد بن عمرو . وحينئذ لا يحسن الجواب الذي أشرنا إليه بقولنا . وأجاب أي السهيلي بأنه لم يثبت أنه صلى اللّه عليه وسلم أكل من تلك السفرة : أي ولا من غيرها . سلمنا أنه أكل قبل ذلك مما ذبح على النصب ، فتحريم ذلك لم يكن من شرع إبراهيم وإنما كان تحريم ذلك في الإسلام والأصل في الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة ، هذا كلامه . وفيه أن هذا التسليم يبطل عدّ الشمس الشامي ذلك من أمر الجاهلية التي حفظه اللّه تعالى منه في صغره ، ويخالف ما ذكره بعضهم من أن زيد بن عمرو هذا هو رابع أربعة من قريش فارقوا قومهم ، فتركوا الأوثان والميتة وما يذبح للأوثان . كانوا يوما في عيد لصنم من أصنامهم ينحرون عنده ، ويعكفون عليه ، ويطوفون به في ذلك اليوم ، فقال بعضهم لبعض : تعلمون واللّه ما قومكم على شيء ، لقد أخطئوا دين