الحلبي
179
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم » وأصل السمر : الحديث ليلا « فخرجت ، فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : فلان قد تزوج بفلانة » لرجل من قريش تزوج من امرأة من قريش « فلهوت بذلك الصوت حتى غلبتني عيناي فنمت ، فما أيقظني إلا مس الشمس » أي وفي لفظ « فجلست أنظر - أي أسمع - وضرب اللّه على أذني ، فو اللّه ما أيقظني إلا حر الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ فأخبرته ، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك » . أقول : المناسب لقوله عصمين اللّه ما في الرواية الثانية لا ما ذكر في الرواية الأولى ، إلا أن يحمل قوله في الرواية الأولى فلهوت على أردت أن ألهو ، واللّه أعلم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « واللّه ما هممت بغيرهما بسوء مما تعمله أهل الجاهلية » : أي ما هممت بسوء مما يعمله أهل الجاهلية غيرهما ، وفي لفظ « فو اللّه ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك » أي مما يعمله أهل الجاهلية « ولا هممت به حتى أكرمني اللّه تعالى بنبوّته » . ومن ذلك ما جاء عن أم أيمن رضي اللّه عنها أنها قالت ، كان بوانة بضم الموحدة وبفتح الواو مخففة بعدها ألف ونون ، صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك - أي تذبح له - وتحلق عنده ، وتعكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة ، فكان أبو طالب يحضر مع قومه ويكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك ، حتى قالت رأيت أبا طالب غضب عليه ، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب ، وجعلن يقلن إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا ، ويقلن ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا ، فلم يزالوا به حتى ذهب ، فغاب عنهم ما شاء اللّه ، ثم رجع مرعوبا فزعا ، فقلن : ما دهاك ؟ قال إني أخشى أن يكون بي لمم : أي لمة وهي المس من الشيطان ، فقلن : ما كان اللّه عز وجل ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت ؟ قال : إني كلما دنوت من صنم منها : أي من تلك الأصنام التي عند ذلك الصنم الكبير الذي هو بوانة تمثل لي رجل أبيض طويل ، أي وذلك من الملائكة يصيح بي : وراءك يا محمد لا تمسه ، قالت : فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ صلى اللّه عليه وسلم . أقول : ظاهر هذا السياق أن اللمم يكون من الشيطان ، وحينئذ يكون بمعنى اللمة : وهي المس من الشيطان كما قدمناه ، فقد أطلق اللمم على اللمة ، وإلا فاللمم نوع من الجنون كما تقدم في قصة الرضاع : قد أصابه لمم أو طائف من الجن ، إذ هو يدل على أن اللمم يكون من غير الشيطان كمرض . وعبارة الصحاح : اللمم طرف من الجنون ، وأصاب فلانا من الجن لمة : وهي المس أي فقد غاير بينهما ، واللّه أعلم .