الحلبي
178
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
باب : ما حفظه اللّه تعالى به في صغره صلى اللّه عليه وسلم من أمر الجاهلية أي من أقذارهم ومعايبهم : أي بحسب ما آل إليه شرعه ، لما يريد اللّه تعالى به من كرامته ، حتى صار أحسنهم خلقا ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزيها وتكريما : أي حتى كان صلى اللّه عليه وسلم أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم مخالطة ، وخيرهم جوارا ، وأعظمهم حلما وأمانة ، وأصدقهم حديثا فسموه الأمين ، لما جمع اللّه عز وجل فيه من الأمور الصالحة الحميدة ، والفعال السديدة ، من الحلم والصبر ، والشكر والعدل ، والزهد والتواضع والعفة والجود ، والشجاعة والحياء والمروءة . فمن ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لقد رأيتني . أي رأيت نفسي - في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان ، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة ، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر ، إذ لكمني لاكم : أي من الملائكة ما أراها لكمة وجيعة » وفي لفظ « لكمني لكمة شديدة » . وقد يقال : لا منافاة ، لأنها مع شدتها لم تكن وجيعة له صلى اللّه عليه وسلم : « ثم قال شدّ عليك إزارك ، فأخذته فشددته عليّ ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليّ من بين أصحابي » أي وقد وقع له صلى اللّه عليه وسلم مثل ذلك : أي نقل الحجارة عاريا عند إصلاح أبي طالب لزمزم . فعن ابن إسحاق وصححه أبو نعيم قال : « كان أبو طالب يعالج زمزم ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم ينقل الحجارة وهو غلام ، فأخذ إزاره واتقى به الحجارة فغشي عليه ، فلما أفاق سأله أبو طالب ، فقال أتاني آت عليه ثياب بيض ، فقال لي استتر » فما رؤيت عورته صلى اللّه عليه وسلم من يومئذ . وفي الخصائص الصغرى : ونهى صلى اللّه عليه وسلم عن التعري وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمس سنين . وقد وقع له صلى اللّه عليه وسلم مثل ذلك : أي نهيه عن التعري عند بنيان الكعبة كما سيأتي ، وسيأتي ما فيه . ومن ذلك ما جاء عن علي رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يقول « ما هممت بقبيح مما همّ به أهل الجاهلية » أي ويفعلونه « إلا مرتين من الدهر ، كلتاهما عصمني اللّه عز وجل منهما » أي من فعلهما « قلت لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها » أي وفي لفظ « قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلها » لم أقف على اسم هذا الفتى « أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة