الحلبي
172
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ومن علامة ذلك النبي في الكتب القديمة أن يموت أبوه وأمه حامل به كما تقدم وسيأتي أو بعد وضعه بقليل من الزمن : أي ومن علامته أيضا في تلك الكتب موت أمه وهو صغير كما تقدم في خبر سيف بن ذي يزن . ولا ينافي ذلك الاقتصار من بعض أهل الكتب القديمة على الأول الذي هو موت أبيه وهو حمل . قال أبو طالب لصاحب الدير وما النبي ؟ قال : الذي يأتي إليه الخبر من السماء فينبئ أهل الأرض . قال أبو طالب اللّه أجل مما تقول ، قال : فاتق عليه اليهود ، ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير ، فقال له : ما هذا الغلام منك ، قال ابني ، قال : ما هو بابنك ، وما ينبغي أن يكون له أب حي . قال ولم ؟ قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي : أي النبي الذي يبعث لهذه الأمة الأخيرة ، لأن ما ذكر علامته في الكتب القديمة . قال أبو طالب : سبحان اللّه ! اللّه أجل مما تقول . ثم قال أبو طالب للنبي صلى اللّه عليه وسلم : يا ابن أخي ألا تسمع ما يقول ؟ قال : أي عم لا تنكر للّه قدرة ، واللّه أعلم . فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا ، بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة ، واسمه جرجيس ، وقيل سرجيس . وحينئذ يكون بحيرا لقبه في صومعة له . وكان انتهى إليه علم النصرانية : أي لأن تلك الصومعة كانت تكون لمن ينتهي إليه علم النصرانية ، يتوارثونها كابرا عن كابر ، وعن أوصياء عيسى عليه الصلاة والسلام . وفي تلك المدة انتهى علم النصرانية إلى بحيرا ، وقيل كان بحيرا من أحبار اليهود يهود تيما . أقول : لا منافاة لأنه يجوز أن يكون تنصر بعد أن كان يهوديا كما وقع لورقة ابن نوفل كما سيأتي . هذا وقال ابن عساكر : إن بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفؤ ، بينها وبين بصرى ستة أميال . وقيل كان يسكن البلقاء من أرض الشام بقرية ، يقال لها ميفعة ، ويحتاج إلى الجمع . وقد يقال يجوز : أنه كان يسكن في كلّ من القريتين كل واحدة يسكن فيها زمنا ، وكان في بعض الأحايين يأتي لتلك الصومعة فليتأمل . وقد سمع مناد قبل وجوده صلى اللّه عليه وسلم ينادي ويقول : ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة : رباب بن البراء ، وبحيرا الراهب ، وآخر لم يأت بعد . وفي لفظ : والثالث المنتظر يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكره ابن قتيبة . قال ابن قتيبة : وكان قبر رباب وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش : وهو المطر الخفيف ، واللّه أعلم .