الحلبي

173

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وكانت قريش كثيرا ما تمر على بحيرا فلا يكلمهم حتى كان ذلك العام صنع لهم طعاما كثيرا ، وقد كان رأى وهو بصومعته رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ، ثم لما نزلوا في ظلّ شجرة نظر إلى الغمامة قد أظلت الشجرة وتهصرت : أي مالت أغصان الشجرة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي رواية وأخضلت : أي كثرت أغصان الشجرة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين استظلّ تحتها : أي وقد كان صلى اللّه عليه وسلم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة ، فلما جلس صلى اللّه عليه وسلم مال فيء الشجرة عليه ، ثم أرسل إليهم : إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم ، فقال له رجل منهم لم أقف على اسم هذا الرجل : يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا وكنا نمر عليك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا صدقت ، قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رجال القوم : أي تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة : أي لم ير في أحد منهم الصفة التي هي علامة للنبي المبعوث آخر الزمان التي يجدها عنده : أي ولم ير الغمامة على أحد من القوم ، ورآها متخلفة على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي . فقالوا : يا بحيرا ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا . قال : لا تفعلوا ، ادعوه فليحضر هذا الغلام معكم أي وقال : فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم : هو واللّه أوسطنا نسبا ، وهو ابن أخي هذا الرجل ، يعنون أبا طالب ، وهو من ولد عبد المطلب ، فقال رجل من قريش : واللات والعزى إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد اللّه بن عبد المطلب عن طعام من بيننا ، ثم قام إليه فاحتضنه : أي وجاء به وأجلسه مع القوم : أي وذلك الرجل هو عمه الحارث بن عبد المطلب ، ولعله لم يقل هو ابن أخي مع كونه أسن من أبي طالب ، لأن أبا طالب كان شقيقا لأبيه عبد اللّه كما تقدم دون الحارث مع كون أبي طالب هو المقدم في الركب . وقيل الذي جاء به صلى اللّه عليه وسلم أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه وقدمه ابن المحدث على ما قبله فليتأمل . ولما سار به من احتضنه لم تزل الغمامة تسير على رأسه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته صلى اللّه عليه وسلم ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه صلى اللّه عليه وسلم بحيرا ، فقال له : أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما : أي وفي الشفاء أنه اختبره بذلك ، فقال له