الحلبي
167
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
مرتفعا باذخا : أي عاليا منيعا ، وأنبتك نباتا طالت أرومته ، وعظمت جرثومته : أي والأرومة والجرثومة هما الأصل ، وثبت أصله وبسق : أي طال فرعه في أطيب موضع وأكرم معدن ، وأنت أبيت اللعن أي أبيت أن تأتي من الأمور ما يعلن عليه ، ملك العرب الذي له تنقاد ، وعمودها الذي عليه العماد ، وكهفها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف . وأنت لنا فيهم خير خلف ، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه ، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه ، نحن أهل حرم اللّه وسدنة بيته ، أشخصنا : أي أحضرنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا أي أثقلنا ، فنحن وفد التهنئة لا وفد الترزئة أي التعزية ، فعند ذلك قال له الملك من أنت أيها المتكلم ؟ قال عبد المطلب ابن هاشم ، قال : ابن أختنا بالتاء المثناة فوق ، لأن أم عبد المطلب من الخزرج وهم من اليمن ، قال نعم ، قال ادنه ، ثم أقبل عليه وعلى القوم ، فقال : مرحبا وأهلا ، وناقة ورحلا ، ومستناخا سهلا وملكا ربحلا : أي كثير العطاش ، يعطى عطاء جزلا . قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، وقبل وسيلتكم ، فإنكم أهل الليل والنهار ، ولكم الكرامة ما أقمتم ، والحباء : أي العطاء إذا ظعنتم ، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود ، وأجرى عليهم الأنزال ، فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه ، ولا يؤذن لهم بالانصراف ، ثم انتبه لهم انتباهة ، فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ، ثم قال له : يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به ، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه أي عليه ، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن اللّه عز وجل فيه ، إني أجد في الكتاب المكنون ، والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجبناه : أي كتمناه دون غيرنا خبرا عظيما ، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة ، فقال له عبد المطلب : مثلك أيها الملك سرّ وبرّ ، فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر ؟ قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ولكن به الزعامة أي السيادة إلى يوم القيامة ، فقال له عبد المطلب : أيها الملك أبت ، أي رجعت بخير ما آب بمثله وافد قوم ، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من مساره : أي من مساررته إياي بما ازداد به سرورا ، فقال له الملك : هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد ، يموت أبوه وأمه ، ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا ، واللّه باعثه جهارا : وجاعل له منا أنصارا يعزّ بهم أولياءه ، ويذل بهم أعداءه ، ويضرب بهم الناس عن عرض أي جميعا ، ويستفتح بهم كرائم الأرض ، يعبد الرحمن ، ويدحض : أي يزجر الشيطان ، ويخمد النيران ، ويكسر الأوثان . قوله فصل ، وحكمه عدل ، ويأمر بالمعروف ويفعله ، وينهي عن المنكر ويبطله : قال له عبد المطلب : جد جدك ، ودام ملكك ، وعلا كعبك ، فهل الملك ساريّ بإفصاح ، فقد وضح لي بعض الإيضاح ، قال : والبيت ذي