الحلبي
145
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وضعه لما شق صدره عند حليمة ، خلافا لمن قال ولد به أو حين وضع هذا كلامه . ولا يخفى أن ما قلناه من أن هذا الخاتم غير خاتم النبوة أولى ، لأن به يجتمع القولان ، وتندفع المخالفة . والجمع أولى من التضعيف ، لما صح من أنه صلى اللّه عليه وسلم ولد به ، وعلى أنه هو يلزم أن يكون خاتم النبوة تعدد محله ، فوجد بين كتفيه وفي صدره وفي قلبه . لا يقال : قد أشير إلى الجواب عن ذلك بأن الموجود بين كتفيه إنما هو أثر ما في صدره وقلبه . لأنا نقول يبطله ما تقدم عن الدلائل لأبي نعيم ، وما تقدم عن بعض الروايات « فأقبل الملك وفي يده خاتم فوضعه بين كتفيه وثدييه » وأيضا يلزم عليه أن يكون خاتم النبوّة تكرر الإتيان به ثانيا في قصة المبعث ، وثالثا في قصة الإسراء . ففي قصة المبعث « فأكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري » وفي قصة الإسراء « ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة » وكل منهما يبطل كون ما في ظهره أو بين كتفيه أثرا لذلك الختم الذي وجد في صدره أو قلبه . إلا أن يقال ما في قصة المبعث وقصة الإسراء غير خاتم النبوّة وإن خاتم النبوة إنما هو الأثر الحاصل من ختم صدره وقلبه وفي قصة الرضاعة ، وإنه تكرر الختم على ذلك الأثر في المبعث وفي قصة الإسراء ، وفيه أنه لا معنى لتكرر الختم في محل واحد . ولا يقال : الغرض منه المبالغة في الحفظ ، لأن ذلك إنما يكون عند تعدد محل الختم لا عند إعادته ثانيا وثالثا في محل واحد . وأيضا هو خلاف ظاهر كلامهم من أنه في المحالّ الثلاثة خاتم النبوة ، ويؤيده أن المتبادر من القول في قصة الإسراء « ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوّة » أنه جعل خاتم النبوة بين كتفيه ، وإلا فما معنى كون الخاتم بمعنى الطابع : أي خاتم النبوّة . فإن قلت : على دعوى الغيرية يحتاج إلى الجواب عن قوله بخاتم النبوّة . قلت : قد يقال هذا ليس برواية عن الشارع ، وإنما وقعت تلك العبارة عن بعضهم . ويجوز أن يكون الباء في كلامهم بمعنى مع : أي مع خاتم النبوّة فتأمل ، واللّه أعلم . قال صلى اللّه عليه وسلم : « ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضا لطيفا ، ثم قال الأول للذي شق صدري زنه بعشرين من أمته فوزنني فرجحتهم ، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني فرجحتهم ، ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني فرجحتهم ، ثم قال دعه فلو وزنتموه بأمته كلهم لرجحهم كلهم ، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب اللّه لم ترع ، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك » .