الحلبي

131

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

أتاني تلك ، فلقد أدمت بالدال المهملة وتشديد الميم بالركب : أي حبسته بتأخرها عنه لشدة عنائها وتعبها لضعفها وهزالها ، حتى شق ذلك عليهم ، حتى قدمنا مكة نلتمس : أي نطلب الرضعاء جمع رضيع ، وأدم مأخوذ من الماء الدائم ، يقال أدم بالركب : إذا أبطأ حتى حبسهم ، ويروى بالمعجمة : أي جاء بما يذم عليه وهو هنا الإبطاء . أقول : لأنه كان من شيم العرب وأخلاقهم إذا ولد لهم ولد يلتمسون له مرضعة في غير قبيلتهم ، ليكون أنجب للولد ، وأفصح له . وقيل لأنهم كانوا يرون أنه عار على المرأة أن ترضع ولدها انتهى : أي تستقل برضاعه . ويدل للأول ما جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول لأصحابه « أنا أعربكم » أي أفصحكم عربية « أنا قرشي ، واسترضعت في بني سعد » وجاء « أنا أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه لما قال له صلى اللّه عليه وسلم : ما رأيت أفصح منك يا رسول اللّه ، فقال له : ما يمنعني وأنا من قريش ، وأرضعت في بني سعد ؟ » فهذا كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات . ومن ثم نقل عن عبد الملك بن مروان أنه كان يقول : أضر بنا حب الوليد ، يعني ولده ، لأنه لمحبته له أبقاه مع أمه في المصر ولم يسترضعه في البادية مع الأعراب ، فصار لحانا لا عربية له . وأخوه سليمان استرضع في البادية مع الأعراب فصار عربيا غير لحان . قالت حليمة : فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها يتيم ، وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي ، فكنا نقول : يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده ، فكنا نكرهه لذلك ، فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري ، فلما أجمعنا الانطلاق : أي عزمنا عليه ، قلت لصاحبي : واللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا ، واللّه لأذهبن إلى ذلك الرضيع فلآخذنه ، قال : لا عليك : أي لا بأس عليك أن تفعلي ، عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة ، فذهبت إليه فأخذته . أقول : وهذا السياق قد يخالف قول بعضهم : إن عبد المطلب خرج يلتمس له المراضع فجاءت له حليمة ابنة أبي ذؤيب ، إلا أن يقال : جاز أن يكون التماسه للمراضع غير حليمة كان عند قدومهن ، وأبين أن يقبلن ، ثم طلب من حليمة ذلك بعد أن لم يجد رضيعا . ويدل لذلك قول صاحب « شفاء الصدور » إن حليمة قالت : استقبلني عبد المطلب فقال : من أنت ؟ فقلت : أنا امرأة من بني سعد قال : ما اسمك ؟ قلت حليمة ، فتبسم عبد المطلب وقال : بخ بخ ، سعد وحلم ، خصلتان فيهما خير الدهر وعز الأبد ، يا حليمة إن عندي غلاما يتيما ، وقد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن وقلن : ما عند اليتيم من الخير ، إنما نلتمس الكرامة من