الحلبي

132

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الآباء ، فهل لك أن ترضعيه ، فعسى أن تسعدي به ؟ فقلت : ألا تذرني حتى أشاور صاحبي ، فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته ، فكأن اللّه قذف في قلبه فرحا وسرورا ، فقال لي : يا حليمة خذيه ، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعدا ينتظرني ، فقلت : هلمّ الصبي ، فاستهل وجهه فرحا ، فأخذني وأدخلني بيت آمنة ، فقالت لي أهلا وسهلا ، وأدخلتني في البيت الذي فيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن ، وتحته حريرة خضراء ، راقد على قفاه يغط ، يفوح منه رائحة المسك ، فأشفقت : أي خفت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله ، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا وفتح عينيه إليّ ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر ، فقبلته بين عينيه وأخذته ، وما حملني على أخذه : أي أكد أخذه إلا أني لم أجد غيره ، وإلا فما ذكرته من أوصافه مقتض لأخذه : أي وهذه الرواية ربما تدل على أنها لم تره قبل ذلك ، وأن إباءها كان قبل رؤيتها له ، قالت : فلما أخذته رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري أقبل ثدياي بما شاء اللّه من لبن فشرب حتى روي : أي من الثدي الأيمن ، وعرضت عليه الأيسر فأباه . قالت حليمة : وكانت تلك حالته بعد : أي بعد ذلك : لا يقبل إلا ثديا واحدا وهو الأيمن . وفي السبعيات للهمداني : أن أحد ثديي حليمة كان لا يدر اللبن منه ، فلما وضعته في فم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم در اللبن منه . قالت : وشرب معه أخوه حتى روي ثم نام ، وما كنا ننام معه قبل ذلك : أي فعدم نومه من الجوع ، فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل : أي ممتلئة الضرع من اللبن ، فجلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا ، فبتنا بخير ليلة ، يقول صاحبي حين أصبحنا : تعلمي واللّه يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة ، قلت : واللّه إني لأرجو ذلك ، ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته صلى اللّه عليه وسلم معي عليها فو اللّه لقطعت بالركب : أي صيرته خلفها ما يقدر عليها : أي على مرافقتها ومصاحبتها شيء من حمرهن ، حتى أن صواحبي يقلن لي : يا بنت أبي ذؤيب ، ويحك ، اربعي : أي اعطفي علينا بالرفق وعدم الشدة في السير ، أليس هذا أتانك التي كنت خرجت عليها تخفضك طورا وترفعك أخرى ؟ فأقول لهن : بلى واللّه إنها لهي ، فيقلن : واللّه إن لها لشأنا : أي وقالت حليمة فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول : واللّه إن لي لشأنا ثم شأنا ، شأني بعثني اللّه بعد موتي ، ورد لي سمني بعد هزالي ، ويحكنّ يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة ، وهل تدرين من على ظهري ؟ على ظهري خير النبيين ، وسيد المرسلين ، وخير الأولين والآخرين ، وحبيب رب العالمين ، ذكره في النطق المفهوم . وذكرت أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت : أي خفضت رأسها نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت . قالت : ثم قدمنا