الحلبي
109
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
قال صلى اللّه عليه وسلم ذلك لما سأله اليهود فقالوا له : مم يخلق الولد ؟ فلما قال لهم ما ذكر ، قالوا له : هكذا كان يقول من قبلك : أي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وفيه أن عيسى عليه الصلاة والسلام على تسليم أنه خلق من نطفة وهي نطفة أمه كان فيه العظم والعصب . فقد قيل : تمثل لها الملك في صفة شاب أمرد حتى انحدرت شهوتها إلى أقصى رحمها ، وقيل لم يخلق من نطفة أصلا . وقد صرح بالأول الشيخ محيي الدين ابن العربي رحمه اللّه حيث قال : أنكر الطبيعيون وجود ولد من ماء أحد الزوجين دون الآخر ، وذلك مردود عليهم بعيسى عليه السلام فإنه خلق من ماء أمه فقط ، وذلك أن الملك لما تمثل لها بشرا سويا لشدة اللذة بالنظر إليه ، فنزل الماء منها إلى الرحم ، فتكون عيسى عليه السلام من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها ، فهو من ماء أمه فقط هذا كلامه . أي وكون سطيح كان وجهه في صدره لم يختص سطيح بهذا الوصف . فقد رأيت أن عمرا ذا الأذعار إنما قيل له ذلك لأنه سبى أمة وجوهها في صدورها فذعرت الناس منهم وعمرو هذا كان في زمن سليمان بن داود عليهما السلام ، وقيل قبله بقليل ، وملكت بعده بلقيس بعد قتلها له . وكان لسطيح سرير من الجريد والخوص إذا أريد نقله إلى مكان يطوي من رجليه إلى ترقوته . وفي لفظ إلى جمجمته كما يطوى الثوب ، فوضع على ذلك السرير فيذهب إلى حيث يشاء ، وإذا أريد استخباره ليخبر عن المغيبات يحرك كما يحرك وطب المخيض : أي سقاء اللبن الذي يخض ليخرج زبده ، فينتفخ ويمتلئ ويعلوه النفس ، فيسأل فيخبر عما يسأل عنه ، وكانت جمجمته إذا لمست أثر اللمس فيها للينها . قيل وهو أول كاهن كان في العرب ، وهذا يدل على أنه سابق على شق . وقد تقدم في حفر زمزم أن الكاهنة التي ذهب إليها عبد المطلب وقريش ليتحاكموا عندها تفلت في فم سطيح وفم شق ، وذكرت أن سطيحا يخلفها ، ومن ثم قال بعضهم : لم يكن أحد أشرف في الكهانة ، ولا أعلم بها ولا أبعد فيها صيتا من سطيح وكان في غسان . وذكر بعضهم أن سطيحا كان في زمن نزار بن معد بن عدنان ، وهو الذي قسم الميراث بين بني نزار وهم مضر وإخوته ، وهو يؤيد ما تقدم من أنه عمر سبعمائة سنة ، ثم شق وعبد المسيح ، وهؤلاء كانوا رؤوس الكهنة وأهل العلم الغامض منهم بالكهانة : أي وإلا فمنهم أي من أهل العلم الغامض : مسيلمة الكذاب في بني حنيفة ،