الحلبي

110

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وسجاح كانت في بني تميم ، وسجاح أخرى كانت في بني سعد . والكهانة : هي الإخبار عن الغيب ، والكهانة من خواص النفس الإنسانية ، لأن لها استعداد للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها . فسلم عبد المسيح على سطيح وكلمه ، فلم يرد عليه سطيح جوابا ، فأنشأ عبد المسيح يقول : أصم أم يسمع غطريف اليمن أي سيدهم إلى آخر أبيات ذكرها ، فلما سمع سطيح شعر عبد المسيح رفع رأسه . أقول : قد يقال لا منافاة بين إثبات الرأس هنا ، ونفيه في قوله : ولم يكن له رأس ، لأنه يجوز أن يكون المراد بالرأس المثبت الوجه ، لكن قد تقدم أنه لم يكن له عظم سوى ما في رأسه أو الجمجمة ، ففي ذلك إثبات الرأس . وقد يقال : لما كان رأسه وتلك الجمجمة يؤثر فيهما اللمس للينهما لمخالفتهما لرأس غيره ساغ إثبات الرأس له ونفيه عنه واللّه أعلم . وعند رفع رأسه قال : عبد المسيح ، على جمل مشيح : أي سريع إلى سطيح ، وقد وافى على الضريح : أي القبر ، والمراد به الموت كما تقدم . بعثك ملك ساسان ، لارتجاس الإيوان ، وخمود النيران ، ورؤيا الموبذان . رأى إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة ، أي تلاوة القرآن ، وظهر صاحب الهراوة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وخمدت نار فارس ، فليست بابل للفرس مقاما ، ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات ، على عدد الشرفات ، وكل ما هو آت . ثم قضى سطيح مكانه : أي مات من ساعته . والهراوة بكسر الهاء : وهي العصا الضخمة : أي وهو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه كان يمسك العصا كثيرا عند مشيه . وكان يمشي بالعصا بين يديه وتغرز له فيصلي إليها التي هي العنزة . وفي الحديث « حمل العصا علامة المؤمن ، وسنة الأنبياء » وفي الحديث « من بلغ أربعين سنة ولم يأخذ العصا عدله » أي عدم أخذ العصا « من الكبر والعجب » . وقد يقال : مراد سطيح بالعصا العنزة التي تغرز ويصلي إليها في غير المسجد ، لأنه لم يحفظ أن ذلك كان لمن قبله من الأنبياء . وذكر الطبري أن أبرويز بن هرمز جاء له جاء في المنام فقيل له : سلم ما في يدك إلى صاحب الهراوة ، فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بظهور النبي صلى اللّه عليه وسلم بتهامة ، فعلم أن الأمر سيصير إليه .