الحلبي
103
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
كما يبغي عليه . قال فما عمره ؟ قال : إن طال عمره لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في إحدى وستين أو ثلاث وستين ، زاد في رواية وذلك جلّ أعمار أمته . وعند ولادته صلى اللّه عليه وسلم تنكست الأصنام أي أصنام الدنيا ، وتقدم أيضا أنها تنكست عند الحمل به ، وتقدم أنه لا مانع من تعدد ذلك . وجاء أن عيسى عليه السلام لما وضعته أمه خر كل شيء يعبد من دون اللّه في مشارق الأرض ومغاربها ساجدا لوجهه وفزع إبليس . فعن وهب بن منبه : لما كانت الليلة التي ولد فيها عيسى صلى اللّه على نبينا وعليه وسلم أصبحت الأصنام في جميع الأرض منكسة على رؤوسهم ، وكلما ردوها على قوائمها ، انقلبت ، فحارت الشياطين لذلك ولم تعلم السبب فشكت إلى إبليس ، فطاف إبليس في الأرض ثم عاد إليهم ، فقال : رأيت مولودا والملائكة قد حفت به فلم أستطع أن أدنو إليه ، وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم منه ، وإني لأرجو أن أضل به أكثر ممن يهتدي به . أقول : قد علمت أن تنكيس الأصنام تكرر لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم عند الحمل وعند الولادة ، فالخاص به ما كان عند الحمل لا ما كان عند الولادة ، لمشاركة عيسى عليه السلام له في ذلك ، وبهذا يعلم ما في قول الجلال السيوطي في خصائصه الصغرى إن من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم تنكيس الأصنام لمولده . وعن عبد المطلب قال : كنت في الكعبة فرأيت الأصنام سقطت من أماكنها وخرت سجدا ، وسمعت صوتا من جدار الكعبة يقول : ولد المصطفى المختار الذي تهلك بيده الكفار ، ويطهر من عبادة الأصنام ، ويأمر بعبادة الملك العلام . ولا يقال : قال إبليس في حق عيسى عليه السلام لا أستطيع أن أدنو إليه ، وتقدم في حق نبينا صلى اللّه عليه وسلم أن إبليس دنا منه فركضه جبريل عليه السلام . لأنا نقول يجوز أن يكون الدنو في حق نبينا صلى اللّه عليه وسلم دنوا إلى محله الذي هو فيه لا إلى جسده ، والدنو المنفي في حق عيسى عليه السلام دنو إلى جسده . فإن قيل : جاء في الحديث « ما من مولود يولد إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها » رواه الشيخان : أي لقول أم مريم وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) [ آل عمران : الآية 36 ] وفي رواية « كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب » أي وهي المشيمة التي يكون فيها الولد ، ولعل المراد بجنبه جنبه الأيسر . وعن قتادة : « كل مولود يمسه الشيطان بإصبعه في جنبه فيستهل صارخا إلا عيسى ابن مريم وأمه مريم ضرب اللّه عليهما حجابا ، فأصابت الطعنة الحجاب فلم