الحلبي
104
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ينفذ إليهما منه شيء » ولعل هذا الحجاب هو المشيمة . ويحتمل أن يكون غيرها . قلت : وجاء عن مجاهد : « أن مثل عيسى في عدم طعن الشيطان في جسده حين يولد سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام » وذلك لا يقال من قبل الرأي . وعلى تقدير صحة ذلك يكون تخصيص عيسى وأمه بالذكر كان قبل أن يعلم صلى اللّه عليه وسلم بأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كعيسى وأمه . وهذا الكلام يرد بيان القاضي عياض للضرر المنفي في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من قال إذا أراد أن يأتي أهله بسم اللّه ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن قدر بينهما في ذلك الوقت ولد من ذلك الجماع لم يضره الشيطان أبدا » بأن المراد أنه لا يطعن فيه عند ولادته ، بخلاف غيره ، وهذا : أي عدم قربه من نبينا صلى اللّه عليه وسلم يجوز أن يكون في حق خصوص إبليس ، فلا ينافي ما تقدم عن الحافظ ابن حجر أن عدم ارتضاعه صلى اللّه عليه وسلم في ليلتين بوضع عفريت من الجن يده في فيه على تسليم صحته . وصاحب الكشاف أخرج المس ومثله الطعن عن حقيقته وقال : المراد به طمع الشيطان في إغوائه ، وتبعه القاضي على ذلك ، وسيأتي في شق صدره صلى اللّه عليه وسلم كلام يتعلق بذلك . وفي كلام الشيخ محيي الدين بن العربي : اعلم أنه لا بد لجميع بني آدم من العقوبة والألم شيئا بعد شيء إلى دخولهم الجنة ، لأنه إذا نقل إلى البرزخ فلا بد له من الألم ، أدناه سؤال منكر ونكير ، فإذا بعث فلا بد له من ألم الخوف على نفسه أو غيره ، وأول الألم في الدنيا استهلال المولود حين ولادته صارخا ، لما يجده من مفارقة الرحم وسخونته ، فيضربه الهواء عند خروجه من الرحم ، فيحس بألم البرد فيبكي ، فإن مات فقد أخذ حظه من البلاء . وقال بعد ذلك في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام ( والسلام علي يوم ولدت ) : معناه السلامة من إبليس الموكل بطعن الأطفال عند الولادة حين يصرخ الولد إذا خرج من طعنته ، فلم يصرخ عيسى عليه السلام بل وقع ساجدا للّه حين خرج ، فليتأمل هذا مع قوله إن استهلال المولود وصراخه حين يولد لحسه ألم البرد الذي يجده بعد مفارقة سخونة الرحم . وقوله : بل وقع ساجدا يدل على أن سجود نبينا صلى اللّه عليه وسلم حين ولد ليس من خصائصه واللّه أعلم . وذكر أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبد اللّه ابن جحش كانوا يجتمعون إلى صنم ، فدخلوا عليه ليلة ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرأوه منكسا على وجهه ، فأنكروا ذلك ، فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب انقلابا عنيفا فردوه فانقلب كذلك الثالثة ، فقالوا : إن هذا الأمر حدث ، ثم أنشد بعضهم أبياتا يخاطب بها الصنم ويتعجب من أمره : ويسأله فيها عن سبب تنكسه ، فسمع هاتفا من جوف الصنم بصوت جهير أي مرتفع يقول :