الحلبي

102

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وأقره تعليلا لعدم رضاعه : لأن عفريتا من الجن وضع يده على فيه . وعند قول اليهودي ما ذكر تفرق القوم من مجالسهم وهم متعجبون من قوله ، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم آله وفي لفظ أهله ، فقالوا : لقد ولد الليلة ، لعبد اللّه بن عبد المطلب غلام سموه محمدا ، فالتقى القوم حتى جاءوا لليهودي وأخبروه الخبر : أي قالوا له أعلمت ، ولد فينا مولود ؟ قال : اذهبوا معي حتى أنظر إليه ، فخرجوا حتى أدخلوه على أمه ، فقال أخرجي إلينا ابنك ، فأخرجته وكشفوا على ظهره فرأى تلك الشامة فخر مغشيا عليه ، فلما أفاق قالوا ويلك ما لك ؟ قال : واللّه ذهبت النبوة من بني إسرائيل أفرحتم به يا معشر قريش ؟ أما واللّه ليسطون عليكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب . أي وعن الواقدي رحمه اللّه أنه كان بمكة يهودي يقال له يوسف ، لما كان اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يعلم به أحد من قريش قال : يا معشر قريش قد ولد نبي هذه الأمة الليلة في بحرتكم ، أي ناحيتكم هذه ، وجعل يطوف في أنديتهم فلا يجد خبرا ، حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل ، فقيل له : قد ولد لابن عبد المطلب : أي لعبد اللّه غلام ، فقال ، هو نبيّ والتوراة . وكان بمرّ الظهران راهب من أهل الشام يدعى عيصا ، وقد كان آتاه اللّه علما كثيرا وكان يلزم صومعة له ، ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول : يوشك أي يقرب أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب ، أي تذل وتخضع ، ويملك العجم : أي أرضها وبلادها هذا زمانه ، فمن أدركه أي أدرك بعثته واتبعه أصاب حاجته : أي ما يؤمله من الخير ، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته ، فكان لا يولد بمكة مولود إلا ويسأل عنه ويقول ما جاء بعد أي الآن ، فلما كان صبيحة اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا فوقف على أصل صومعته فناداه ، فقال : من هذا ؟ فقال : أنا عبد المطلب : أي وقيل الجائي له عبد اللّه والد النبي صلى اللّه عليه وسلم بناء على أنه لم يمت وأمه حامل به : أي ولعل قائله أخذ ذلك من قول الراهب لما قيل له ما ترى عليه ، أي على ذلك المولود ، فقال : كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه وأن نجمه أي الذي طلوعه علامة على وجوده طلع البارحة ، وعلامة ذلك أي أيضا أنه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى . أقول : أي ولا يرضع في تلك الثلاث ليلتين ، فلا يخالف ما سبق من قول الآخر لا يرضع ليلتين ، ولا دلالة في قوله كن أباه على أن الجائي للراهب عبد اللّه ، لأن عبد المطلب كان يقال له أبو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم ابن عبد المطلب ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنا ابن عبد المطلب » كما تقدم واللّه أعلم ثم قال له فاحفظ لسانك : أي لا تذكر ما قلته لك لأحد من قومك ، فإنه لم يحسد حسده أحد ، ولم يبغ على أحد