الحلبي

89

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رجوت أن لا يسلمك إلا خير . قلت : يا رسول اللّه ادع اللّه لي أن يغفر لي تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « الإسلام يجب ما كان قبله » أي وتقدم عثمان وعمرو فأسلما . وفي رواية عن عمرو بن العاص قال : قدمنا المدينة فأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر ، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه صلى اللّه عليه وسلم وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا ؛ تقدم خالد بن الوليد فبايع ، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدمت فو اللّه ما هو إلا أن جلست بين يديه صلى اللّه عليه وسلم ، فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر ، فقال : « إن الإسلام يجب ما كان قبله ، والهجرة تجب ما كان قبلها » فو اللّه ما عدل بي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من الصحابة في أمر حربه منذ أسلمنا ، ولقد كنا عند أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه بتلك المنزلة ، ولقد كنت عند عمر رضي اللّه تعالى عنه بتلك الحالة ، وكان عمر رضي اللّه تعالى عنه على خالد كالعاتب ، وتقدم أن عمرا رضي اللّه تعالى عنه أسلم على يد النجاشي رضي اللّه تعالى عنه . قال بعضهم : وفي إسلام عمرو على يد النجاشي لطيفة وهي صحابي أسلم على يد تابعي . ولا يعرف مثله . ومن حين أسلم خالد رضي اللّه تعالى عنه لم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوليه أعنة الخيل فيكون في مقدمها . واللّه أعلم . عمرة القضاء أي ويقال لها عمرة القضية أي لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاضى قريشا عليها ، أي صالحهم عليها ، ومن ثم قيل لها عمرة الصلح ، ويقال لها عمرة القصاص . قال السهيلي رحمه اللّه : وهذا الاسم أولى بها ، لقوله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [ البقرة : الآية 194 ] قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه : فتحصل من أسمائها أربعة : القضاء ، والقضية ، والصلح ، والقصاص : أي لأنها كانت في شهر ذي القعدة من السنة السابعة ، أي وهو الشهر الذي صدّه فيه المشركون عن البيت منها سنة ست ، وليست قضاء عن العمرة التي صدّ عن البيت فيها . فإنها لم تكن فسدت بصدهم له عن البيت ، بل كانت عمرة تامة معدودة في عمره صلى اللّه عليه وسلم التي اعتمرها صلى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة ، وهي أربعة : عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، وعمرة الجعرّانة لما قسم غنائم حنين ، والعمرة التي قرنها مع حجه في حجة الوداع بناء على ما هو الراجح من أنه كان قارنا ، ولكنها في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجه . وقد مكث صلى اللّه عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة إلى الحلّ في تلك المدة أصلا ، ولم يفعل هذا على عهده صلى اللّه عليه وسلم إلا عائشة رضي اللّه