الحلبي

90

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

تعالى عنها كما سيأتي في حجة الوداع . وكون العمرة لا تفسد بالصدّ إنما هو على ما يراه إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه . أما على من يرى أن العمرة تفسد بالصدّ عنها ، وأنه يجب قضاؤها كما هو المنقول عن أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه ، فواضح أنها قضاء ، وهذه العمرة ليست من الغزوات ، وإنما ذكرها البخاري فيها ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم خرج مستعدا بالسلاح للمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر ، وليس من لازم الغزو وقوع المقاتلة ، ومن ثم قيل لها غزوة الأمن . وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية ، أي من أنه يدخل مكة في العام القابل معه سلاح المسافر ولا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام . وفي أنس الجليل ما يفيد أن اشتراط الثلاثة أيام كان في عمرة القضاء ، ففيه : ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معتمرا عمرة القضاء ، فأبى أهل مكة أن يدعوه صلى اللّه عليه وسلم يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم ثلاثة أيام ، وأن لا يخرج من أهلها أحد إن أراد أن يتبعه ، وأن لا يمنع من أصحابه أحدا أن يقيم بها وأصحابه كانوا ألفين ، أي وأمر أن لا يتخلف عنه أحد ممن شهد الحديبية ، فلم يتخلف أحد إلا من استشهد في خيبر ومن مات ، وخرج معه جمع ممن لم يشهد الحديبية ، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري وقيل غيره ، وساق ستين بدنة وقلدها : أي جعل في عنق كل بعير قطعة من جلد أو نعلا بالية ليعلم أنه هدي فيكف الناس عنه ، ولم يذكر هنا الإشعار ، أي وجعل عليها ناجية بن جندب . قال : وحمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والدروع والرماح ، وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه ، أي وعلى السلاح يشير بوزن أمير ابن سعد ، وأحرم صلى اللّه عليه وسلم من باب المسجد ، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه فقيل : يا رسول اللّه حملت السلاح وقد شرطوا أن لا ندخلها عليهم بسلاح إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا ندخل عليهم الحرم بالسلاح ولكن يكون قريبا منا ، فإن هاجنا هيج من القوم كان السلاح قريبا منا ، فمضى بالخيل محمد بن مسلمة ، فلما كان بمر الظهران وجد نفرا من قريش فسألوه ، فقال : هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء اللّه ، أي وقد رأوا سلاحا كثيرا ، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من الخيل والسلاح ، ففزعت قريش وقالوا : ما أحدثنا حدثا ، وإنا على كتابنا ومدتنا ففيم يغزونا محمد في أصحابه . ثم إن قريشا بعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إليه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا واللّه يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر ، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد