الحلبي

84

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ويبعد أن تكون أراضي خيبر كلها كانت بين النخل بحيث يغسر سقيها بدون النخل ، وحينئذ يكون الواقع في خيبر إنما هي المخابرة ، وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل ، وهي باطلة عندنا ، بل قيل عند المذاهب الأربعة ولو تبعا للمساقاة ، واللّه أعلم . ثم إن الصديق رضي اللّه تعالى عنه أقرهم بعده صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أقرهم عمر رضي اللّه تعالى عنه إلى أن خرج ولده عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما في خلافة أبيه إلى خيبر ، فعدى عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه ، فقام عمر رضي اللّه تعالى عنه خطيبا ، فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان عامل أهل خيبر على أموالهم : أي أرضهم ونخلهم ، وقال لهم نقركم على ما أقركم اللّه ، وإن عبد اللّه بن عمر خرج إلى ما له هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه ، وليس لنا هناك عدوّ غيرهم . وقد رأيت إجلاءهم أي ووافقه الصحابة على ذلك ، فإن عمر رضي اللّه تعالى عنه قام خطيبا في الناس ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن يهود فعلوا بعبد اللّه بن عمر ما فعلوا ، وفعلوا بمطهر بن رافع ما فعلوا مع عدوانهم على عبد اللّه بن سهيل في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا أشك أنهم أصحابه ، وأنا أريد أن أجلوا يهود ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : أقركم ما أقركم اللّه ، وقد أذن اللّه في إجلائهم ، فقام طلحة بن عبيد اللّه ، فقال : قد واللّه أحسنت يا أمير المؤمنين ووفقت ، فهم أهل سوء ، فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه : من معك على مثل رأيك ؟ قال المهاجرون جميعا والأنصار ، فسرّ بذلك عمر رضي اللّه تعالى عنه . وقوله وفعلوا بمطهر ما فعلوا ، أي لأن مطهر بن رافع قدم خيبر بأعلاج من الشام عشرة عبيد له ليعملوا له بأرضه ، فأقام بخيبر ثلاثة أيام ، فقال لهم رجل من يهود : أنتم نصارى ونحن يهود ، وهذا سيدكم من قوم عرب قهرونا بالسيف ، وأنتم عشرة رجال وهو رجل واحد يسوقكم إلى الجهد والبؤس وتكونون في رق شديد ، فإذا خرجتم من قريتنا فاقتلوه ، فقالوا له : ليس معنا سلاح ، فدست اليهود لهم سكينتين أو ثلاثة ، فلما خرجوا من خيبر أقبلوا على مطهر بسكاكينهم ، فخرج مطهر يعدو إلى سيفه ، وكان في قرابه على راحلته ، فأدركوه قبل الوصول إليه وبعجوا بطنه ، ثم انصرفوا سراعا حتى دخلوا خيبر على يهود فآووهم وزودوهم إلى الشام ، وجاء عمر رضي اللّه تعالى عنه الخبر بقتل مطهر وما صنعت به يهود . وقوله مع عدوانهم على عبد اللّه بن سهيل ، أي فإنه وجد قتيلا في خيبر لأهل حصن الشق ، فسألهم أخوه محيصة ، فقالوا له : لا واللّه ما لنا به من علم ، قال : فجئت أنا وأخي عبد الرحمن وأخي حويصة وهو أكبرنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأراد أخي عبد الرحمن يتكلم وهو أصغرنا ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كبر كبر فسكت ، فأردت