الحلبي
65
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وتقدم أن جويرية رضي اللّه تعالى عنها رأت القمر أيضا وقع في حجرها ، وكون صفية رضي اللّه تعالى عنها كانت عروسا عند مجيئه صلى اللّه عليه وسلم خيبر ربما يدل على أن سلام بن مشكم طلقها قبل الدخول بها ، فقد تقدّم أن كنانة تزوّج بها بعد أن طلقها سلام بن مشكم فليتأمل . وعن صفية رضي اللّه عنها أنها قالت « انتهيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما من الناس أحد أكره إليّ منه قتل أبي وزوجي وقومي ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : يا صفية أما إني أعتذر إليك مما صنعت بقومك ، إنهم قالوا لي كذا وكذا ، وقالوا فيّ كذا وكذا ، وفي رواية : إن قومك صنعوا كذا وكذا ، وما زال صلى اللّه عليه وسلم يعتذر إليّ حتى ذهب ذلك من نفسي ، فما قمت من مقعدي ومن الناس أحد أحب إليّ منه صلى اللّه عليه وسلم » وأعرس بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن طهرت من الحيض في قبة بعد أن دفعها صلى اللّه عليه وسلم لأم سليم لتصلح من شأنها ، وبات تلك الليلة أبو أيوب الأنصاري رضي اللّه تعالى متوشحا سيفه يحرسه ويطوف بتلك القبة حتى أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فرأى مكان أبي أيوب ، فقال : ما لك يا أبا أيوب ؟ قال : يا رسول اللّه خفت عليك من هذه المرأة ، قتلت أباها وزوجها وقومها وهي حديثة عهد بكفر ، فبت أحفظك ، فقال : اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني . قال السهيلي رحمه اللّه : فحرس اللّه أبا أيوب بهذه الدعوة ، حتى إن الروم لتحرس قبره ويستشفون به فيستصحون ، أي ويستسقون به فيسقون . فإن غزا مع يزيد بن معاوية سنة خمسين ، فلما بلغوا القسطنطينية مات أبو أيوب رضي اللّه عنه هنالك ، فأوصى يزيد أن يدفنه في أقرب موضع من مدينة الروم ، فركب المسلمون ومشوا به حتى إذا لم يجدوا مكانا مساغا دفنوه ، فسألتهم الروم عن شأنهم ، فأخبروهم أنه كبير من أكابر الصحابة ، فقالت الروم ليزيد : ما أحمقك وأحمق من أرسلك أأمنت أن ننبشه بعدك ، فنحرق عظامه ، فحلف لهم يزيد لئن فعلتم ذلك ليهدمن كل كنيسة بأرض العرب ، وينبش قبورهم ، فحينئذ حلفوا بدينهم ليكرمن قبره وليحرسنه ما استطاعوا . أي وجاء أنه صلى اللّه عليه وسلم لما قطع ستة أميال من خيبر وأراد أن يعرس بها فأبت ، فوجد النبي صلى اللّه عليه وسلم في نفسه ، فلما سار ووصل الصهباء مال إلى دومة هناك فطاوعته ، فقال لها : ما حملك على إبائك حين أردت المنزل الأول ؟ قالت : يا رسول اللّه خشيت عليك قرب يهود ، وهذا المحل الذي هو الصهباء هو الذي ردت فيه الشمس لعليّ بعد ما غربت كما تقدم . وأقام صلى اللّه عليه وسلم بذلك المحل ثلاثة أيام ، وجعل وليمتها حيسا في نطع صغير ، والحيس : تمر وأقط وسمن . أي ففي البخاري « فأصبح النبي صلى اللّه عليه وسلم عروسا ، فقال : من كان عنده شيء فليجئ به وبسط نطعا ، فجعل الرجل يجيء بالتمر ، وجعل الرجل