الحلبي
517
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يدفن في التربة التي خلق منها ، وهو يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما خلقوا من تربة واحدة لأنهم دفنوا ثلاثتهم في تربة واحدة . فقد روي أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما حضرته الوفاة قال لمن حضره : إذا أنا مت وفرغتم من جهازي فاحملوني حتى تقفوا بباب البيت الذي فيه قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقفوا بالباب ، وقولوا : السلام عليك يا رسول اللّه ، هذا أبو بكر يستأذن ، فإن أذن لكم بأن فتح الباب ، وكان الباب مغلقا بقفل ، فأدخلوني وادفنوني ، وإن لم يفتح الباب فأخرجوني إلى البقيع وادفنوني به ، فلما وقفوا على الباب وقالوا ما ذكر سقط القفل وانفتح الباب ، وسمع هاتف من داخل البيت : أدخلوا الحبيب إلى الحبيب ، فإن الحبيب إلى الحبيب مشتاق . ولما احتضر عمر رضي اللّه عنه قال لابنه عبد اللّه رضي اللّه عنه : يا عبد اللّه ائت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، فقل لها : إن عمر يقرئك السلام ، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم بأمير المؤمنين ، وقل : يستأذن أن تدفنيه مع صاحبيه ، فإن أذنت فادفنوني وأن أبت فردوني إلى مقابر المسلمين ، فأتاها عبد اللّه وهو يبكي ، فقال : إن عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : لقد كنت ادخرت ذلك المكان لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي ، فلما رجع عبد اللّه إلى أبيه وأقبل عليه ، قال عمر : أقعدوني ، ثم قال لعبد اللّه : ما وراءك ، قال : قد أذنت لك ، قال : اللّه أكبر ، ما شيء أهم إلي من ذلك المضجع . وقد ذكر أن الحسن رضي اللّه عنه لما سقي السم ورأى كبده تقطع أرسل إلى عائشة رضي اللّه عنها أن يدفن عند جده صلى اللّه عليه وسلم ، فأذنت له ، فلما مات منع من ذلك مروان وبنو أمية ، فدفن بالبقيع . ويذكر أنه رضي اللّه عنه قال لأخيه الحسين رضي اللّه عنه قال : كنت بلغت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي أن أدفن في بيتها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : نعم ولا أدري لعلها كان ذلك منها حياء ، فإذا أنا مت فاطلب ذلك منها ، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها وما أظن القوم إلا سيمنعونك ، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك ، وادفني في بقيع الغرقد ، فإن لي فيمن فيه أسوة ، فلما مات الحسن رضي اللّه عنه جاء الحسين رضي اللّه عنه إلى عائشة رضي اللّه عنها فطلب منها ذلك ، فقالت : نعم وكرامة فبلغ ذلك مروان ، فقال : كذب وكذبت ، واللّه لا يدفن هناك أبدا ، منعوا عثمان من دفنه هناك ويريدون دفن حسن ، فبلغ ذلك الحسين رضي اللّه عنه ، فلبس الحديد هو ومن معه ، وكذلك مروان لبس الحديد هو ومن معه ، فبلغ ذلك أبا هريرة رضي اللّه عنه ، فانطلق إلى الحسين وناشده اللّه وقال له : أليس أخوك قد قال لك ما قال : فلم يزل به حتى رضي بدفنه بالبقيع فدفن بجانب أمه رضي اللّه عنها ، ولم يشهد جنازته أحد من بني أمية إلا سعيد بن العاص . لأنه