الحلبي
514
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
رضيه النبي صلى اللّه عليه وسلم لديننا فبايعناه وكان لذلك أهلا ، لم يختلف عليه من اثنان ، فلما قبض تولاها عمر رضي اللّه تعالى عنه بمبايعته ، وأقام فيها لم يختلف عليه منا اثنان ، وأعطيت ميثاقي لعثمان رضي اللّه تعالى عنه ، فلما مضوا بايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين : أي الكوفة والبصرة ، فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابتي ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي ، وكنت أحق بها منه ، يعني معاوية فهو رأي رأيته وفي لفظ لكن شيء رأيناه من قبل أنفسنا ، فهذا تصريح منه كرم اللّه وجهه بأنه صلى اللّه عليه وسلم لم ينص على إمامته . وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم يوم غدير خم عند مرجعه من حجة الوداع بعد أن جمع الصحابة وكرر عليهم : « ألست أولى بكم من أنفسكم ثلاثا » وهم يجيبونه بالتصديق والاعتراف ثم رفع يد علي كرم اللّه وجهه وقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » الحديث فتقدم الكلام عليه وأن ذلك لا يدل على الخلافة . وإنما قال سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه : إن بيعة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه كانت فلتة : أي من غير استعداد ولا مشورة كما تقدم ، ردا على من بلغه عنه أنه قال إذا مات عمر بايعت فلانا ، واللّه ما كانت بيعة أبي بكر بمشورة ، فالبيعة لا تتوقف على ذلك فغضب فلما رجع من آخر حجة حجها المدينة قال على المنبر : قد بلغني أن فلانا قال واللّه لو مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا ، إن بيعة أبي بكر كانت فلتة من غير مشورة ، فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فنعم ، وأنها كانت كذلك إلا أن اللّه قد وقى شرها ، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلا من غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له ولا الذي بايعه . ولما ثقل المرض على الصديق رضي اللّه تعالى عنه دعا عبد الرحمن فقال : أخبرني عن عمر بن الخطاب ، فقال : أنت أعلم به مني ، فقال الصديق وإن فقال ، عبد الرحمن : هو واللّه أفضل من رأيك فيه ، ثم دعا عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، فقال : أخبرني عن عمر فقال : أنت أخبرنا به ، ثم دعا عليا كرم اللّه وجهه وقال له مثل ذلك ، ثم قال علي كرم اللّه وجهه : اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ، ودعا جمعا من الأنصار فيهم أسيد بن حضير وسألهم ، فقال : اللهم أعلمه يرضى للرضا ويسخط للسخط الذي يسر خير الذي يعلن ، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه ، فعند ذلك دعا عثمان رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : اكتب « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها ، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب ، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ، فإن