الحلبي
513
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الذي صنع نفاسة حق على أبي بكر ، فأقبل الناس على علي كرم اللّه وجهه وقالوا : أصبت وأحسنت . وقد علمت الجمع بين من قال بايع بعد ثلاثة أيام من موته صلى اللّه عليه وسلم ومن قال : لم يبايع إلا بعد موت فاطمة رضي اللّه عنها بعد ستة أشهر ، وهو أنه بايع أولا ثم انقطع عن أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه لما وقع بينه وبين فاطمة ما وقع ، ثم بايعه مبايعة أخرى ، فتوهم من ذلك بعض من لا يعرف باطن الأمر أن تخلفه إنما هو لعدم رضاه ببيعته فأطلق ذلك من أطلقه . ومن ثم أظهر علي كرم اللّه وجهه مبايعته لأبي بكر ثانيا بعد ثبوتها على المنبر لإزالة هذه الشبهة . وبهذا يعلم ما وقع في صحيح مسلم عن أبي سعيد من تأخر بيعة علي هو وغيره من بني هاشم إلى موت فاطمة ، ومن ثم حكم بعضهم عليه الضعف . ومما يؤيد الضعف ما جاء أن عليا وأبا بكر رضي اللّه عنهما جاءا لزيارة قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد وفاته بستة أيام ، فقال علي كرم اللّه وجهه : تقدم يا خليفة رسول اللّه ، فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه : ما كنت لأتقدم رجلا سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول فيه : « عليّ مني بمنزلتي من ربي » وصلاة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه بالناس لم تختص بالمرض ، فقد جاء أنه وقع قتال بين بني عمرو بن عوف ، فبلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم ، فقال : يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت مر أبا بكر فليصل بالناس ، فلما حضرت صلاة العصر أقام الصلاة ، ثم أمر أبا بكر فصلى كما تقدم . وفي شرح مسلم الإمام النووي رحمه اللّه : وتأخر علي كرم اللّه وجهه أي ومن تأخر معه عن البيعة لأبي بكر ليس قادحا فيها ، لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل أهل العقد والحل ، بل مبايعة من تيسر منهم وتأخره كان للعذر أي الذي تقدم ، وكان عذر أبي بكر وعمر وبقية الصحابة واضحا لأنهم رأوا أن المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين ، لأن تأخرها ربما لزم عليه اختلاف ، فينشأ عنه مفاسد كثيرة كما أفصح به أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه فيما تقدم . وجاء كما تقدم أنه قيل لعلي كرم اللّه وجهه : هل عهد إليك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخلافة ؟ فحدثنا فأنت الموثوق به والمأمون على ما سمعت ، فقال : لا واللّه لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من كذب عليه ، لو كان عندي من النبي صلى اللّه عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت القتال على ذلك ، ولو لم أجد إلا بردتي هذه ، وما تركت أخا بني تيم وعمر بن الخطاب ينوبان على منبره صلى اللّه عليه وسلم ، ولقاتلتهما بيدي ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم لم يمت فجأة بل مكث في مرضه أياما وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني ، فلما مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اخترنا لدنيانا من