الحلبي
511
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بذلك . وقال لها : قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا نورث ما تركناه صدقة » ولكن أعول من كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعوله ، وأنفق على من كان ينفق عليه ، وقوله صدقة هو بالرفع كما هو الرواية : أي الذي تركناه فهو صدقة ، وقد منع بذلك عائشة وبقية أزواجه صلى اللّه عليه وسلم لما جئن إليه يطلبن ثمنهن . وزعمت الرافضة أن الصديق رضي اللّه تعالى عنه كان ظالما لفاطمة رضي اللّه عنها بمنعه إياها من مخلف والدها ، وأنه لا دليل له في هذا الخبر الذي رواه ، لأن فيه احتجاجا بخبر الواحد مع معارضته لآية المواريث . ورد بأنه إنما حكم بما سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو عنده قطعي فساوى آية المواريث من قطيعة المتن ، وكان مخصصا لآية المواريث . وذكر عن الرافضة أنهم زعموا أن صدقة بالنصب وأن ما نافية . ويرده صدر الحديث : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث » وأما رواية : « نحن معاشر الأنبياء » فلم تجيء في كتاب من كتب الحديث كما قاله غير واحد ، ومن رواه بذلك بالمعنى لأن نحن وإنا مفادهما واحد ولا يعارض ذلك قوله تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [ النّمل : الآية 16 ] وقوله تعالى حكاية عن زكريا : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ [ مريم : الآية 5 ] إذ المراد وراثة العلم والحكمة . وفي لفظ أنها رضي اللّه تعالى عنها قالت له : من يرثك ؟ قال : أهلي وولدي ، فقالت فما لي لا أرث أبي . فقال لها سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : لا نورث فغضبت رضي اللّه تعالى عنها من أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه وهجرته إلى أن ماتت ، أي فإنها عاشت بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ستة أشهر على ما تقدم . ومعنى هجرانها لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه أنها لم تطلب منه حاجة ولم تضطر إلى لقائه ، إذ لم ينقل أنها رضي اللّه تعالى عنها لقيته ولم تسلم عليه ، ولا كلمته . وروى ابن سعد أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه جاء إلى بيت علي لما مرضت فاطمة فاستأذن عليها ، فقال علي كرم اللّه وجهه : هذا أبو بكر على الباب يستأذن ، فإن شئت أن تأذني له فأذني ، قالت : وذاك أحب إليك ؟ قال نعم ، فأذنت له رضي اللّه تعالى عنه ، فدخل واعتذر إليها فرضيت عنه ، وأن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه صلى عليها . وقال الواقدي : وثبت عندنا أن عليا كرم اللّه وجهه دفنها رضي اللّه تعالى عنها ليلا ، وصلى عليها ومعه العباس والفضل رضي اللّه تعالى عنهم ولم يعلموا بها أحدا . قال بعضهم : وكأنها تأولت قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا نورث » وحملت ذلك على الأموال . أي الدراهم والدنانير كما جاء في بعض الروايات : « لا تقسم ورثتي دينارا ولا درهما » بخلاف الأراضي ، ولعل طلب إرثها من فدك كان منها بعد أن ادعت رضي اللّه تعالى