الحلبي

49

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ويصطفون صفوفا ثم يقولون محمد يغزونا هيهات هيهات . وذكر أن عبد اللّه بن أبي ابن سلول أرسل إليهم يخبرهم بأن محمدا سائر إليكم ، فخذوا حذركم ، وأدخلوا أموالكم حصونكم ، واخرجوا إلى قتاله ولا تخافوا منه ، إن عددكم كثير وقوم محمد شرذمة قليلون عزل لا سلاح معهم إلا قليل . فلما كانت الليلة التي نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صبيحتها بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس ، فأصبحوا : أي قاموا من نومهم وأفئدتهم تخفق ، وفتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم معهم الفؤوس ويقال لها الكرازين والمساحي ومعهم المكاتل ، أي وهي القفف الكثيرة ، فلما رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولوا هاربين إلى حصونهم ا ه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللّه أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، أي وبذلك استدل على جواز الاقتباس من القرآن ، وإنما قال صلى اللّه عليه وسلم خربت خيبر ، لأنه لما رأى آلة الهدم التي هي الفؤوس والمساحي تفاءل صلى اللّه عليه وسلم بأن حصونهم ستخرب ، أو أخذ ذلك من اسمها ، أو أن ذلك دعاء بلفظ الخبر ، قال الإمام النووي رحمه اللّه : والأصح أنه أعلمه اللّه بذلك ويوافقه ما في فتح الباري . ويحتمل أن يكون قال ذلك بطريق الوحي ويؤيده قوله « إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » أي لأنه نزل بساحتهم ، وهي في الأصل الفضاء بين الأبينة . وابتدأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حصونهم بحصون النطاة قبل حصون الشق وقيل بحصون الكثيبة ، أي لأنهم أدخلوا أموالهم وعيالهم في حصون الكثيبة ، وجمعوا المقاتلة في حصون النطاة ، وكان نزل قريبا من حصون النطاة ، فجاءه صلى اللّه عليه وسلم الحباب بن المنذر رضي اللّه تعالى عنه فقال : يا رسول اللّه إنك نزلت منزلك هذا ، فإن كان عن أمر أمرت به فلا نتكلم ، وإن كان الرأي تكلمنا ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الرأي ، فقال : يا رسول اللّه إن أهل النطاة لي بهم معرفة ، ليس قوم أبعد مدى سهم منهم ولا أعدل رمية منهم ، وهم مرتفعون علينا ، وهو أسرع لانحطاط نبلهم ، ولا نأمن من بياتهم يدخلون في حمرة النخل . أي النخل المجتمع بعضه على بعض ، تحول يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : أشرت بالرأي إذا أمسينا إن شاء اللّه تحولنا . ودعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه فقال : انظر لنا منزلا بعيدا ، فطاف محمد رضي اللّه عنه ، وقال : يا رسول اللّه وجدت لك منزلا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : على بركة اللّه وتحول لما أمسى ، وأمر الناس بالتحول . أي وفي لفظ : إن راحلته صلى اللّه عليه وسلم قامت تجرّ بزمامها فأدركت لتردّ ، فقال دعوها فإنها مأمورة ، فلما انتهت إلى موضع من الصخرة بركت عندها ، فتحول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الصخرة وتحول الناس إليها واتخذوا ذلك الموضع معسكرا . وفي الأصل أنه نزل