الحلبي
48
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
مالك كان حسن الصوت وكان يرتجز لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أسفاره ، لأن المراد في غالب أو في بعض أسفاره كما صرح به بعض الروايات . وجاء أنه صلى اللّه عليه وسلم قال له : أي للبراء : إياك والقوارير ، وهو يدل على أنه كان يرتجز لنسائه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يخالف أن البراء كان حادي الرجال وأنجشة حادي النساء ، إلا أن يقال : جاز أن يكون البراء حدا للنساء في بعض الأسفار أو في بعض الأحيان ، وأنجشة كان في الغالب . قال بعضهم : كان أنجشة رضي اللّه تعالى عنه عبدا أسود ، وكان حسن الصوت بالحداء إذا حدا أعنقت الإبل ، أي سارت العنق وأسرعت ، فلما حدا بأمهات المؤمنين قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أنجشة رويدك ، رفقا بالقوارير . ولما أشرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على خيبر وكان وقت الصبح قال لأصحابه رضي اللّه عنهم قفوا ، ثم قال ، أي وفي لفظ قال لهم : قولوا « اللهم رب السماوات وما أظللن ، ورب الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين فإنا نسألك من خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ، اقدموا بسم اللّه » أي وفي لفظ « ادخلوا على بركة اللّه تعالى » وكان صلى اللّه عليه وسلم يقولها لكل قرية دخلها . أي وجاء أنه صلى اللّه عليه وسلم لما توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير اللّه أكبر ، لا إله إلا اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اربعوا على أنفسكم » أي ارفقوا بأنفسكم ، لا تبالغوا في رفع أصواتكم « فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » قال عبد اللّه بن قيس رضي اللّه عنه : « وكنت خلف دابته صلى اللّه عليه وسلم فسمعني أقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، فقال يا عبد اللّه بن قيس ، قلت لبيك يا رسول اللّه ، قال : ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة ؟ قلت بلى يا رسول اللّه فداك أبي وأمي ، قال لا حول ولا قوة إلا باللّه » . ويحتاج إلى الجمع بين هذا وبين أمره صلى اللّه عليه وسلم بأن أصحابه يرفعون أصواتهم بالتلبية . وقد يقال : المنهي عنه هنا الرفع الخارج عن العادة الذي ربما آذى بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم « اربعوا عن أنفسكم » أي ارفقوا بها كما تقدم ، فلا منافاة . ولما أبصر صلى اللّه عليه وسلم عمالها وقد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم قالوا : محمد والخميس : أي الجيش العظيم معه ، قيل له الخميس لأنه خمسة أقسام المقدمة والساقة والميمنة والميسرة وهما الجناحين والقلب ، وأدبروا هرابا . قال : وذكر أنه كان بها عشرة آلاف مقاتل ، وأنهم كانوا لا يظنون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغزوهم حين بلغهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغزوهم وهم يخرجون