الحلبي

390

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ولكن روى الدارقطني رحمه اللّه عنها رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت « خرجت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت » قال في الهدى إنه غلط عليها وهو الأظهر ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم ما اعتمر في رمضان قط . أقول : وزاد بعضهم أنه اعتمر أيضا عمرتين عمرة في رجب وعمرة في شوال فيكون اعتمر ستة ، إلا أن يقال : يجوز أن يكون مستند القائل اعتمر في رجب قول ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما المتقدم ، وقد تقدم رده وجاز أن يكون قوله اعتمر في شوال أي خرج للعمرة في شوال وهي العمرة التي كانت في ضمن حجة الوداع ، واللّه أعلم . باب ذكر نبذ من معجزاته صلى اللّه عليه وسلم التي يمكن التحدي بها ، سواء تحدى بها بالفعل كالقرآن وتمنى اليهود الموت أولا . وتلك المعجزة اصطلاحا هي الحاصلة له صلى اللّه عليه وسلم بعد البعثة إلى وفاته . وأما الأمور الحاصلة له بين يدي أيام مولده وبعثته ، وقبل ذلك من الأمور الخارقة للعادة الغربية الموهنة للكفر ، التي يعجز عن بلوغها قوى البشر ، ولا يقدر عليها إلا خالق القوى القدر ، لأنها في الاصطلاح يقال لها إرهاصات وتأسيسات للرسالة ، ولا تسمى في الاصطلاح معجزات . وهي إذا تليت على قلب المؤمن زادته إيمانا ، وإذا تفكر فيها ذو البصيرة واليقين زادته إيقانا ، فإن كل من أرسله اللّه عز وجل لم يخله من آية أيده بها مخالفة للعادات ، لكون ما يدعيه من الرسالة مخالفا لها ، فيستدل بتلك الآية على صدقه فيما يدعيه ، لأن اقترانها بدعواه الرسالة تصديق له فيها . وقد كانت للأنبياء : أي الرسل معجزات مختلفة ، أي وهو صلى اللّه عليه وسلم أكثر الرسل معجزة ، وأعظمهم آية ، وأظهرهم برهانا فقد جاء « ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن عليه البشر » : أي آمنوا بسبب إظهاره « وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى اللّه عز وجل إليّ » وهو القرآن لأنه الذي تحداهم به « فأرجو أن أكون أكثرهم تبعا يوم القيامة » . أي فإنه لما غلب السحر في زمن عليه الصلاة والسلام جاءهم بجنسه في معجزاته ، فألقى العصا ، وفلق البحر . ولما غلب الطب في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام جاءهم بجنسه ، فأحيا الموتى ، وأبرأ الأكمه والأبرص . ولما غلبت الفصاحة وقول الشعر في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام جاءهم بالقرآن . وهذا السياق يدل على أن المعجزة خاصة بالرسل عليهم الصلاة والسلام ، ويوافق ذلك قول صاحب المواقف وشرحه ، وهي : أي المعجزة بحسب الاصطلاح عبارة عما قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول اللّه .