الحلبي

389

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

باب ذكر عمره صلى اللّه عليه وسلم قد اعتمر صلى اللّه عليه وسلم : أي بعد الهجرة أربع عمر . فقد قال بعضهم : لا خلاف أن عمره صلى اللّه عليه وسلم لم تزد على أربع أي كلهن في ذي القعدة ، مخالفا للمشركين ، فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون هي من أفجر الفجور أي كما تقدم . وأول تلك الأربعة عمرة الحديبية ، أي وكانت في ذي القعدة التي صده فيها المشركون عن البيت . وثانيها : عمرته صلى اللّه عليه وسلم من العام المقبل ، أي وهي عمرة القضاء ، وكانت في ذي القعدة كما تقدم . وعن قتادة رضي اللّه تعالى عنه « كان المشركون فجروا عليه صلى اللّه عليه وسلم حيث ردوه في الحديبية وكان في ذي القعدة ، فاقتص اللّه منهم وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي هو ذو القعدة ، وأنزل اللّه الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ [ البقرة : الآية 194 ] . وثالثها : عمرته صلى اللّه عليه وسلم حين قسم غنائم حنين ، وكانت من الجعرانة ، وكانت في ذي القعدة ، ودخل صلى اللّه عليه وسلم مكة ليلا ، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت بها . ومن ثم خفيت على الناس كما تقدم . ورابعها : عمرته صلى اللّه عليه وسلم مع الحجة الوداع : أي التي دخلت في الحج بناء على أنه أحرم قارنا أو التي أدخلها على الحج بناء على أنه أحرم بالحج خصوصية له ، أو عينهما بعد أن أحرم مطلقا على ما تقدم فإنه أحرم لخمس بقين من ذي القعدة . وقد قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها « اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع » . وأخرج البخاري ومسلم « أنه صلى اللّه عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة إلا التي في حجته » أي فإنه لم يوقعها في ذي القعدة ، بل أوقعها في ذي الحجة تبعا للحج . وأما إحرامه بها فكان في ذي القعدة في خمس بقين منه كما تقدم . وأخرجا أيضا أن عروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما قال : كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة رضي اللّه تعالى عنها وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رجب ؟ قال نعم ، فقلت لعائشة : أي أمتاه ألا تسمعني ما يقول أبو عبد الرحمن ؟ قالت : وما يقول ؟ قلت : يقول اعتمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رجب ، فقالت : يغفر اللّه لأبي عبد الرحمن ، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهدها ، وفي رواية إلا وهو معه ، وما اعتمر في رجب قط ، أي وإنما اعتمر في ذي القعدة .