الحلبي
372
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
عليه الصلاة والسلام عرفة ونزل في تلك القبة حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء بفتح القاف والمد ، وقيل بضم القاف والقصر ، وهو خطأ كما تقدم . وفي كلام الأصل أن القصواء والعضباء والجدعاء اسم لناقة واحدة وفيه ما لا يخفى . فرحلت ثم أتى بطن الوادي فخطب على راحلته خطبة ذكر فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض ، ووضع ربا الجاهلية ، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس رضي اللّه تعالى عنه . ووضع الدماء في الجاهلية ، وأوّل دم وضعه دم ابن عمه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قتلته هذيل فقال : هو أوّل دم أبدأ به من دماء الجاهلية ، موضوع فلا يطالب به في الإسلام وأوصى صلى اللّه عليه وسلم بالنساء خيرا ، وأباح ضربهنّ غير المبرح إن أتين بما لا يحل . وقضى لهن بالرزق والكسوة بالمعروف على أزواجهن . وأمر صلى اللّه عليه وسلم بالاعتصام بكتاب اللّه عز وجل ، أي وسنة رسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأخبر إنه لا يضل من اعتصم به ، وأشهد اللّه عز وجل على الناس أنه قد بلغهم ما يلزمهم ، فاعترف الناس بذلك . وأمر أن يبلغ ذلك الشاهد والغائب . ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع وربا الجاهلية موضوع ، وأوّل ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب . فاتقوا اللّه في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة اللّه ، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وإنكم لتسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ، اللهم فاشهد ثلاث مرات » . وجاء أنه صلى اللّه عليه وسلم أمر مناديا صار ينادي بكل ما قاله من ذلك : أي وهو ربيعة بن أمية بن خلف أخو صفوان بن أمية وكان صيتا . وصار صلى اللّه عليه وسلم يقول له : يا ربيعة قل : يا أيها الناس إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول كذا كما تقدم ، فيصرخ به وهو واقف تحت صدر ناقته صلى اللّه عليه وسلم . وربيعة هذا ارتد في زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه شرب الخمر ، فهرب منه إلى الشام ، ثم هرب إلى قيصر فتنصر ومات عنده . وعن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنه ، أنه طاف ليلة هو وعمر رضي اللّه تعالى عنهما للحرس بالمدينة فرأوا نورا في بيت ، فانطلقوا يؤمونه ، فإذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط ، فقال عمر رضي اللّه تعالى عنه لعبد الرحمن : تدري بيت من هذا ؟ قال : لا ، قال : هذا بيت ربيعة بن أمية ، وهم الآن شرب ، فما ترى ؟ قال : أرى أنا قد أتينا ما نهى اللّه عنه وَلا تَجَسَّسُوا [ الحجرات : الآية 12 ] فانصرف عمر . ثم إن عمر رضي اللّه تعالى عنه غرب ربيعة إلى خيبر فكان ما تقدم .