الحلبي

373

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وقد رأى ربيعة قبل ذلك في المنام كأنه في أرض معشبة مخصبة وخرج منها إلى أرض مجدبة كالحة . ورأى أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه في جامعة من حديد عند سرير إلى الحشر ، فقص ذلك على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه فقال إن صدقت رؤياك تخرج من الإيمان إلى الكفر ، وأما أنا فإن ذلك ديني جمع لي في أشد الناس إلى يوم الحشر . وبعثت إليه صلى اللّه عليه وسلم أم الفضل زوجة العباس أم عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهم لبنا في قدح شربه أمام الناس ، فعلموا أنه صلى اللّه عليه وسلم : لم يكن صائما ذلك اليوم الذي هو التاسع ، أي لأنهم تماروا عندها في صيامه صلى اللّه عليه وسلم ذلك اليوم الذي هو يوم عرفة . وعن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة » أي وبهذا استدل أئمتنا أنه لا يستحب للحاج صوم يوم عرفة الذي هو التاسع من ذي الحجة . فلما تم صلى اللّه عليه وسلم خطبته أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا فصلاهما مجموعتين في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين : أي لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يقم بمكة إقامة تقطع السفر لأنه دخلها في اليوم الرابع وخرج يوم الثامن ، فقد صلى بها إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر يوم الرابع إلى عصر الثامن يقصر تلك الصلوات ، فالجمع للسفر كما يقول إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه كالجمهور لا للنسك كما يقول غيرهم . أقول : وفيه أن فقهاءنا ذكروا أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يصل الجمعة في حجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياما : أي تقطع السفر لعدم استيطانه . ويردّ بأنه من أين أنه صلى اللّه عليه وسلم عزم على الإقامة بمكة المدة التي تقطع السفر هذه دعوى تحتاج إلى دليل . وأيضا عزمه على ذلك إنما هو بعد عوده إلى مكة بعد فراغه من الوقوف والرمي ، ولا ينقطع سفره إلا بوصوله إلى مكة . والأولى استدلال فقهائنا على وجوب الاستيطان في إقامة الجمعة بعد أمره صلى اللّه عليه وسلم لأهل مكة بإقامة الجمعة مع أنهم غير مسافرين لعدم استيطانهم للمحل . فما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه من أن الجمع للسفر لا للنسك في محله . وقد رأيت أن مالكا رضي اللّه تعالى عنه سأل أبا يوسف وقد كان حج مع هارون الرشيد وذلك بحضرة الرشيد ، فقال له : ما تقول في صلاة النبي صلى اللّه عليه وسلم بعرفات يوم الجمعة ، أصلى جمعة أم صلى ظهرا مقصورة ؟ فقال أبو يوسف : صلى جمعة ، لأنه خطب لها قبل الصلاة ، فقال مالك : أخطأت ، لأنه لو وقف يوم السبت لخطب قبل الصلاة ، فقال أبو يوسف : ما الذي صلى ؟ فقال مالك : صلى الظهر مقصورة ، لأنه أسرّ بالقراءة فصوبه هارون في احتجاجه على أبي يوسف ، واللّه أعلم .