الحلبي
352
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وأعجب به صلى اللّه عليه وسلم ودعا في عسل بنها بالبركة ، لأنه حين أكل منه قال : إن كان عسلكم أشرف فهذا أحلى ، ثم دعا فيه بالبركة . وأهدى إليه مربعة يضع فيها المكحلة وقارورة الدهن والمشط والمقص والمسواك ، ومكحلة من عيدان شامية ومرآة ومشطا ، أي فإن المقوقس سأل حاطبا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم هل يكتحل ؟ فقال له : نعم ، وينظر في المرآة ، ويرجل شعره ، ولا يفارق خمسا في سفر كان أو في حضر ، وهي : المرآة ، والمكحلة ، والمشط ، والمدرى ، والمسواك والمدرى : شيء كالمسلة يفرق به بين شعر الرأس ويحك به لأن حكه بالإصبع يشوش الشعر ويلوي بها قرون شعر الرأس . وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها : « سبع لم تفارق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سفر ولا حضر : القارورة التي يكون فيها الدهن ، والمشط ، والمكحلة ، والمقراض » ، أي المقص والمسواك ، والمرآة . زاد بعضهم « والإبرة ، والخيط » ولعل عدم ذكر ذلك في الكتاب أنه لم يره شيئا ينبغي ذكره . أي وقد قال بعضهم : إن المقوقس أرسل مع الهدية طبيبا ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ارجع إلى أهلك نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع » . واعترض كون الحمار الذي أرسله المقوقس يسمى يعفورا ، بأن الحمار الذي يسمى يعفورا أهداه له فروة بن عمرو الجذامي عامل قيصر . وأهدى إليه أيضا بغلة شهباء يقال لها فضة . وفرسا يقال له الظرب كما تقدم . ثم رأيت بعضهم سمى الحمار الذي أهداه عامل قيصر عفيرا أيضا ، وعليه فتسمية حمار المقوقس عفيرا أيضا كما في الأصل أن الحمار الذي أهداه المقوقس يقال له يعفورا وعفير من خلط بعض الرواة فلا منافاة . وفي هذا قبول هدية المشركين . وقد تقدم رده صلى اللّه عليه وسلم لهداياهم وقال : لا أقبل زبد المشركين . ومما يشكل عليه أيضا أنه صلى اللّه عليه وسلم في هدنة الحديبية أهدى صلى اللّه عليه وسلم لأبي سفيان عجوة ، واستهداه أدما فأهداه إليه أبو سفيان وهو على شركه . وذكر أن المقوقس قال لحاطب رضى اللّه عنه : القبط لا يطاوعوني في اتباعه ، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك ، وأنا أضنّ : أي أبخل بملكي أن أفارقه ، وسيظهر على البلاد ، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده أي وكان كذلك ، فإن المسلمين فتحوا مصر سنة ست عشرة ونزلها الصحابة . فارجع إلى صاحبك ، وارحل من عندي ، ولا تسمع منك القبط حرفا واحدا . قال حاطب رضي اللّه عنه : فرحلت من عنده ، أي وبعث معه جيشا إلى أن دخل جزيرة العرب ووجد قافلة من الشام تريد المدينة فردّ الجيش وارتفق بالقافلة .