الحلبي
342
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أي وذكر بعضهم أن هذا يدل على أن هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل كانت عنده في الكتب القديمة من علامات نبوته صلى اللّه عليه وسلم . وفيه أن هذا لا يأتي مع قوله ما تقدم إذ هو يقتضي أن ذلك علامة على رسالة كل رسول ثم قال قيصر : ولو أعلم أني أخلص أي أصل إليه لتجشمت : أي تكلفت مع المشقة لقيه . أي وفي لفظ آخر : لا أستطيع أن أفعل ، إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم . قال الإمام النووي رحمه اللّه تعالى : ولا عذر له في هذا ، لأنه قد عرف صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم وإنما شح بالملك ، فطلب الرئاسة وآثرها على الإسلام ، ولو أراد اللّه هدايته لوفقه كما وفق النجاشي وما زالت عنه الرئاسة . قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه تعالى : لو تفطن هرقل لقوله صلى اللّه عليه وسلم في الكتاب إليه : « أسلم تسلم » وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه ، ولكن التوفيق بيد اللّه . ثم قال : ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه : أي مبالغة في خدمته والتعبد له ، ولا أطلب منه ولاية ولا منصبا . قال أبو سفيان : ثم دعا بكتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فقرئ عليه ، فإذا فيه « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد بن عبد اللّه إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى » أي ومن لم يتبع الهدى فلا سلام عليه ، فليس في هذا بداءة الكافر بالسلام « أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام » أي بالكلمة الداعية للإسلام وهي كلمة التوحيد أي إليها ، فالباء موضع إلى « أسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين » أي لإيمانك بعيسى ثم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، أو لإيمان أتباعك بسبب إيمانك « فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين » أي فلاحين القرى : أي ومن ثم جاء في رواية : « إثم الفلاحين » وفي رواية « إثم الأكارين » والأكار : الفلاح ، لأن أهل السواد وما والاهم أهل فلاحة ، والمراد إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك . وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أسرع انقيادا من غيرهم ، لأن الغالب عليهم الجهل والجفاء وقلة الدين ، والمراد عليك مع إثمك إثم رعاياك ، لأنه إذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا ، فهو متسبب في عدم إسلامهم ، والفاعل لمعصية المتسبب لارتكاب غيره لها عليه الإثم من جهتين : جهة فعله وجهة تسببه قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 ) [ آل عمران : الآية 64 ] والواو في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ويا أهل الكتاب » عاطفة على مقدر معطوف على قوله أدعوك . والتقدير أدعوك بدعاية الإسلام ، وأقول لك ولأتباعك يا أهل الكتاب .