الحلبي

343

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قيل وهذه الآية كتبها صلى اللّه عليه وسلم قبل نزولها لأنها إنما نزلت في وفد نجران ، وذلك في سنة تسع . وهذه القصة كانت في سنة ست ، وقيل بعد نزولها لأن نزولها كان في أول الهجرة في شأن اليهود . قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه تعالى : وجوز بعضهم نزولها مرتين وهو بعيد كذا قال فليتأمل . قال أبو سفيان رضي اللّه تعالى عنه : فلما قضى مقالته وفرغ من الكتاب علت أصوات الذين حوله وكثر لغطهم : أي أصواتهم التي لا تفهم . وفي البخاري : كثر عنده الصخب : وارتفاع الأصوات . والصخب . اختلاط الأصوات عند المخاصمة . زاد البخاري : فلا أدري ما قالوا وأمر بنا فأخرجنا ، فلما خرجت أنا وأصحابي وخلصنا قلت لهم لقد أمر أمر ابن أبي كبشة : أي عظم أمره ، هذا ملك بني الأصفر يخافه ، فما زلت موقنا أن سيظهر حتى أدخل اللّه عليّ الإسلام ، أي فأظهرت ذلك اليقين لأنه ارتفع . وفي لفظ : فما زلت مرعوبا من محمد حتى أسلمت . وقد تقدم الكلام على كبشة ، وهو أن جد وهب لأمه أبو آمنة أم النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يكنى أبا كبشة . قال في شرح مسلم : وهو الذي كان يعبد الشعرى ، وأبو سلمة أم جده عبد المطلب كان يكنى أبا كبشة ، وزوج مرضعته صلى اللّه عليه وسلم كان يكنى أبا كبشة ، وتقدم الكلام أيضا على بني الأصفر . ويروى أن أبا سفيان رضي اللّه تعالى عنه قال لقيصر لما سأله : هل كنتم تتهمونه بالكذب ؟ فقال : لا لكن أخبرك عنه أيها الملك خبرا تعرف به أنه قد كذب ، قال : وما هو ؟ قلت إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا ورجع إلينا في تلك الليلة قبل الصباح ، فقال بطريق : أي قائد من قواد الملك كان واقفا عند رأس قيصر : صدق أيها الملك ، فنظر إليه قيصر ، فقال : ما أعلمك بهذا ؟ قال : إني كنت لا أنام ليلة أبدا حتى أغلق أبواب المسجد ، فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني ، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول جبلا ، فدعوت النجارين فنظروا إليه فقالوا : لا نستطيع أن نحركه حتى نصبح ، فلما أصبحت جئت إليه فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب . قال في النور : الذي يظهر لي أنه الصخرة : أي المراد بالصخرة في بعض الروايات كما قدمناه ، وإذا فيه أثر مربط الدابة فقلت لأصحابي : ما حبس هذا الباب الليلة إلا لهذا الأمر ، فقال قيصر لقومه : يا قوم ألستم تعلمون أن بين يدي الساعة نبيا بشركم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعله اللّه فيكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فإن اللّه قد جعله في غيركم ، وهي رحمة اللّه عز وجل يضعها حيث يشاء ، أي وأمر بإنزال دحية وإكرامه .