الحلبي

298

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

باب يذكر فيه ما يتعلق بالوفود التي وفدت عليه صلى اللّه عليه وسلم أي غير من تقدم ، فقد تقدم أنه قدم عليه صلى اللّه عليه وسلم وفد هوازن بالجعرانة ، وكذا وفد عليه بها مالك بن عوف النصري وذلك في آخر سنة ثمان : أي ووفد نصارى نجران ، أي قبل الهجرة ، ووفد بني تميم في سرية عيينة بن حصن . وذكر ابن سعد أن ذلك كان في المحرم سنة تسع . ووفد عليه وفد نصارى نجران أيضا بعد الهجرة وكانوا ستين راكبا ودخلوا المسجد النبوي ، أي وعليهم ثياب الحبرة وأردية الحرير مختمين بخواتم الذهب ، أي ومعهم هدية وهي بسط فيها تماثيل ومسوح ، فصار الناس ينظرون للتماثيل فقال صلى اللّه عليه وسلم : أما هذه البسط فلا حاجة لي فيها ، وأما هذه المسوح فإن تعطونيها آخذها ، فقالوا نعم : نعطيكها . ولما رأى فقراء المسلمين ما عليه هؤلاء من الزينة والزي الحسن تشوقت نفوسهم إلى الدنيا ، فأنزل اللّه تعالى : قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ آل عمران : الآية 15 ] الآيات ، وأرادوا أن يصلوا بالمسجد بعد أن حان وقت صلاتهم وذلك بعد العصر ، فأراد الناس منعهم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : دعوهم ، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم ، فعرض عليهم صلى اللّه عليه وسلم الإسلام وتلا عليهم القرآن فامتنعوا وقالوا قد كنا مسلمين قبلك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كذبتم ، يمنعكم من الإسلام ثلاث : عبادتكم الصليب ، وأكلكم لحم الخنزير ، وزعمكم أن للّه ولدا : أي لأن أحدهم قال له صلى اللّه عليه وسلم : المسيح عليه الصلاة والسلام ابن اللّه لأنه لا أب له . وقال له آخر : المسيح هو اللّه لأنه أحيا الموتى ، وأخبر عن الغيوب ، وأبرأ من الأدواء كلها ، وخلق من الطين طيرا . وقال له أفضلهم : فعلام تشتمه وتزعم أنه عبد ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : هو عبد اللّه وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [ النساء : الآية 171 ] فغضبوا ، وقالوا : إنما يرضينا أن تقول إنه إله ، وقالوا له صلى اللّه عليه وسلم : إن كنت صادقا فأرنا عبد اللّه يحيي الموتى ويشفي الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرا فينفخ فيها فتطير ؟ فسكت صلى اللّه عليه وسلم عنهم ، فنزل الوحي بقوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [ المائدة : الآية 17 ] وقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : الآية 59 ] ثم قال لهم صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه أمرني إن لم تنقادوا للإسلام أن أباهلكم ، أي ندعوا ونجتهد في الدعاء باللعنة على الكاذب ، فقالوا له : يا أبا القاسم نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك ، فخلا بعضهم ببعض ، فقال بعضهم : واللّه علمتم أن الرجل نبيّ مرسل ، وما لاعن قوم قط إلا استؤصلوا : أي أخذوا عن آخرهم ، وإن أنتم أبيتم إلا دينكم فوادعوه وصالحوه وارجعوا إلى بلادكم ، وفي