الحلبي
273
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
حتى تأتوني منه بخبر ، ودفع لنا شارفا عجفاء : أي ناقة مسنة ، وقال : تبلغوا عليها ، واعتقبوها ، فركبها أحدنا ، فو اللّه ما قامت به ضعفا حتى ضربت ، فخرجنا ومعنا سلاحنا النبل والسيوف ، حتى إذا جئنا قريبا من القوم عند غروب الشمس ، فكنت في ناحية وصاحبي في ناحية أخرى ، فقلت لهما : إذا سمعتماني قد كبرت فكبرا ، فو اللّه إنا كذلك ننتظر غرة القوم إلا ورفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة المجمع للقوم خرج في طلب راع لهم أبطأ عليهم وتخوّفوا عليه ، فقال له نفر من قومه : نحن نكفيك ولا تذهب أنت ، فقال : واللّه لا يذهب إلا أنا ، فقالوا فنحن معك ، فقال : واللّه لا يتبعني أحد منكم ، وخرج حتى مر بي ، فلما أمكنني نفحته : أي رميته بسهم فوضعته في فؤاده ، فو اللّه ما تكلم ، وو ثبت عليه فاحتززت رأسه ، وشددت في ناحية العسكر وكبرت ، وشدّ صاحباي وكبرا ، فهرب القوم واستقنا إبلا وغنما كثيرة ، فجئنا بها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وجئت برأسه أحمله معي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأعانني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرا في صداقي . قال : وبعضهم جعل هذه السرية وسرية أبي قتادة إلى غطفان بأرض محارب التي قبل هذه واحدة ، أي ومن ثم ذكرتها عقبها خلاف ما صنع في الأصل . قال : ويدل لكونهما واحدة ما نقل عن عبد اللّه بن أبي حدرد قال : لما طلبت منه صلى اللّه عليه وسلم الإعانة في مهر زوجتي ، قال لي : ما وافقت عندنا شيئا أعينك به ، ولكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية ، فهل لك أن تخرج فيها فإني أرجو أن يغنمك اللّه مهر امرأتك ، فقلت : نعم ، فخرجنا حتى جئنا الحاضر : أي وهم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرتحلون عنه ، أي كما تقدم ، فلما ذهبت فحمه العشاء : أي إقباله وأول سواده ، خطبنا أبو قتادة ، وأوصانا بتقوى اللّه تعالى ، وألف بين كل رجلين ، وقال : لا يفارق كل رجل زميله حتى يقفل : أي يرجع ، ولا يجيء إليّ الرجل فأساله عن صاحبه ، فيقول لا علم لي به ، وإذا كبرت فكبروا ، وإذا حملت فاحملوا ، ولا تمعنوا في الطلب ، فأحطنا بالحاضر ، فجرد أبو قتادة سيفه وكبر وجردنا سيوفنا وكبرنا معه ، وقاتل رجال من القوم وإذا فيهم رجل طويل ، فأقبل عليّ قال : يا مسلم هلم إلى الجنة يتهكم بي ، فملت إليه فذهب أمامي : أي وصار يقبل عليّ بوجهه مرة ويدبر عني بوجهة مرة أخرى ، فتبعته ، فقال لي صاحبي : لا تتبعه فقد نهانا أميرنا أن نمعن في الطلب ، ولا زال كذلك ، وقال : إن صاحبكم لذو مكيدة ، وإن أمره هو الأمر ، فأدركته فرميته بسهم فقتلته ، وأخذت سيفه وجئت صاحبي فأخبرني أنهم جمعوا الغنائم ، وأن أبا قتادة تغيظ عليّ وعليك ، فجئت أبا قتادة فلامني فأخبرته الخبر ، ثم سقنا النعم ، وحملنا النساء ، وجفون السيوف معلقة بالأقتاب ، ثم لما أصبحنا رأيت في السبي امرأة كأنها ظبي تكثر الالتفات خلفها