الحلبي

274

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وتبكي ، فقلت لها : أي شيء تنظرين ؟ قالت : واللّه أنظر إلى رجل لئن كان حيا ليستنقذنا منكم ، فوقع في نفسي أنه الذي قتلته ، فقلت لها : واللّه قد قتلته ، وهذا واللّه سيفه معلق بالقتب ، فقالت : فألق إليّ غمده ، فقلت : هذا غمد سيفه ، فلما رأته بكت ولبثت انتهى ، ولا يخفى أن السياق في كل يبعد كونهما واحدة . سرية أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه إلى بطن أضم اسم موضع أو جبل . لما همّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة رضي اللّه تعالى عنه في ثمانية نفر من جملتهم محكم بن جثامة الليثي إلى بطن أضم ، ليظن ظان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توجه إلى تلك الناحية وتنشر بذلك الأخبار ، فمرّ عليهم عامر بن الأضبط الأشجعي ، فسلم عليهم بتحية الإسلام ، فأمسك عنه القوم ، وحمل عليه محكم فقتله ، أي لشيء كان بينه وبينه ، وسلبه متاعه وبعيره ، وعند وصولهم إلى المحل رجعوا ، فبلغهم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد توجه إلى مكة ، فمالوا إليه حتى لقوه ، قال : وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمحكم : أقتلته بعد ما قال آمنت باللّه ؟ وفي رواية : بعد ما قال إني مسلم ؟ أي أتى بما لم يأت به إلا مؤمن آمن باللّه وكان مسلما ، قال : يا رسول اللّه إنما قالها : أي تحية الإسلام متعوذا ، قال : أفلا شققت عن قلبه ؟ قال : لما يا رسول اللّه ؟ قال : لتعلم أصادق هو أم كاذب . أي وفي رواية فقال : يا رسول اللّه لو شققت عن قلبه أكنت أعلم ما في قبله ؟ فقال له : فلا أنت قبلت ما تكلم به ، ولا أنت تعلم ما في قلبه ، فقال : استغفر لي يا رسول اللّه ، فقال : لا غفر اللّه لك ، فقام يتلقى دمعه ببرده اه ، وأنزل اللّه تعالى فيه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ [ النساء : الآية 94 ] إلى آخر الآية . وذكر ابن إسحاق في خبر محكم : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صلى بحنين ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها ، فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن يختصمان في عامر بن الأضبط ، عيينة بن حصن يطلب دمه ، أي ويقول : واللّه يا رسول اللّه إني لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي ، والأقرع يدافع عن محكم ، وارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لعيينة ومن معه : بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا ، وهو يأبى عليه ، فلم يزل به حتى اتفقا على الدية ، ثم قالوا : إن محكما يستغفر له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقام محكم وهو رجل آدم طويل : أي عليه حلة قد كان تهيأ للقتل فيها حتى جلس بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعيناه تدمعان ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : أنا محكم ، قد فعلت الذي