الحلبي

269

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وبركاته ، فقال : عوف بن مالك ؟ فقلت : نعم بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، قال : أخبرني ، فأخبرته بما كان من مسيرنا وما كان بين أبي عبيدة بن الجراح وبين عمرو ، ومطاوعة أبي عبيدة لعمرو ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يرحم اللّه أبا عبيدة بن الجراح ، وأخبرته بمنع عمرو رضي اللّه تعالى عنه للمسلمين من اتباع العدو ، ومن إيقاد النار ، ومن صلاته بأصحابه وهو جنب ، فلما قدم عليه عمرو كلمه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك قال : كرهت أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم ، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفون عليهم ، فحمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره . قال عمرو : وسألني عن صلاتي فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ فقلت : والذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت لمت ، لم أجد بردا قط مثله ، وقد قال اللّه تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : الآية 195 ] فضحك صلى اللّه عليه وسلم اه . أي ويحتاج أئمتنا إلى الجواب عن صلاة الصحابة خلفه ، فإني لم أقف على أنه صلى اللّه عليه وسلم أمرهم بالقضاء . سرية الخبط وهو ورق السمر بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار فيهم عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه إلى حي من جهينة في ساحل البحر ، وقيل ليرصدوا عيرا لقريش ، أي وعليه فتكون هذه السرية قبل الهدنة الواقعة في الحديبية ، لما تقدم أنه صلى اللّه عليه وسلم بعد الهدنة لم يكن يرصد عيرا لقريش إلى الفتح ، وتعدد سرية الخبط بعيد ، فلا يقال يجوز أن تكون سرية الخبط مرتين : مرة قبل الهدنة ، ومرة بعدها ، ومن ثم حكم على هذا القول بأنه وهم . فأقاموا بالساحل نصف شهر ، فأصابهم جوع شديد حتى أكلوا الخبط : أي كانوا يبلونه بالماء ويأكلونه حتى تقرحت أشداقهم . فإن أبا عبيدة رضي اللّه تعالى عنه كان يعطي الواحد منهم في اليوم والليلة تمرة واحدة يمصها ثم يصرها في ثوبه . أي وعن الزبير رضي اللّه تعالى عنه أنه قيل له : كيف كنتم تصنعون بالتمرة ؟ قال : نمصها كما يمص الصبي ثدي أمه ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم زوّدهم جرابا من تمر ، فجعل أبو عبيدة رضي اللّه تعالى عنه يقوتهم إياه ، حتى صار يعدّه لهم عدا ، حتى كان يعطي الواحد تمرة كل يوم ثم بعد التمر أكلوا الخبط . ولما رأى قيس بن سعد بن عبادة رضي اللّه تعالى عنهما ما بالمسلمين من جهد الجوع أي مشقته ، أي وقال قائلهم : واللّه لو لقينا عدّوا ما كان منا حركة إليه لما بالناس من الجهد ، قال : من يشتري مني تمرا أو فيه له في المدينة بجزر يوفيها إليّ