الحلبي

270

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

هاهنا ؟ فقال له رجل من أهل الساحل : أنا أفعل ، لكن واللّه ما أعرفك ، فمن أنت ؟ قال : أنا قيس بن سعد بن عبادة ، فقال الرجل : ما أعرفني بسعد ، إن بيني وبين سعد خلة سيد أهل يثرب ، فاشترى خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر . والوسق : بفتح الواو وكسرها ستون صاعا ، وجمع الأوّل أوسق ، والثاني أوساق ، فقال له الرجل : أشهد لي ، فقال أشهد من تحب ، فأشهد نفرا من المهاجرين والأنصار من جملتهم عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه . وقيل إن عمر رضي اللّه تعالى عنه امتنع من أن يشهد ، وقال : هذا يدان ولا مال له إنما المال أبيه . فقال الرجل : واللّه ما كان سعد ليخني بابنه ، أي لا يوفي عن ابنه ما التزمه ، فكان بين قيس وعمر كلام حتى أغلظ له قيس الكلام ، وأخذ قيس رضي اللّه تعالى عنه الجزر فنحر لهم منها ثلاثة في ثلاثة أيام ، وأراد أن ينحر لهم في اليوم الرابع ، فنهاه أبو عبيدة وقال له : عزمت عليك أن لا تنحر ، أتريد أن تخفر ذمتك ، أي لا يوفى لك بما التزمت ولا مال لك . فقال له قيس رضي اللّه تعالى عنه : أترى أبا ثابت ، يعني والده سعدا يقضي ديون الناس ويطعم في المجاعة ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل اللّه ؟ وفي البخاري أن قيسا رضي اللّه تعالى عنه نحر لهم تسع جزائر كل يوم ثلاثا ، ثم نهاه أبو عبيدة . أي ومما يؤيد ما ذكر من أن الجزر كانت خمسة ، وأنه نحر لهم ثلاثة أيام كل يوم جزورا ما جاء في بعض الروايات أنه بقي معه جزوران قدم بهما المدينة يتعاقبون عليهما فلينظر الجمع . ثم إنّ البحر ألقى لهم دابة هائلة يقال لها العنبر بحيث إن أبا عبيدة رضي اللّه تعالى عنه نصب لهم ضلعا من أضلاعها . وفي لفظ : من أضلاعه ومرّ تحته أطول رجل في القوم : أي وهو قيس بن سعد بن عبادة راكبا على أطول بعير لم يطأطئ رأسه . وعن جابر رضي اللّه تعالى عنه ، أنه قال : دخلت أنا وفلان وفلان وعدّ خمسة نفر عينها ما رآنا أحد . أي وفي لفظ . ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينها ، فأكلوا منها أياما : أي نحو شهر وكانوا ثلاثمائة . فعن بعضهم : لما تقرّحت أشداقنا من الخبط انطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا كهيئة الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة رضي اللّه تعالى عنه : ميتة ، ثم قال : اضطررتم فكلوا ، فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه الدهن بالقلال . وفي رواية : فأخرجنا من عينه كذا وكذا قلة ودك ، وصحبوا من لحمها إلى