الحلبي

259

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

محمدا فإنه يمشي في الأسواق وحده ، فأتاه رجل من الأعراب ، وقال يعني نفسه : قد وجدت أجمع الرجال قلبا ، وأشدهم بطشا ، وأسرعهم عدوا ، فإذا أنت فديتني خرجت إليه حتى أغتاله فإن معي خنجرا بفتح الخاء المعجمة كجناح النسر ، وإني عارف بالطريق ، فقال له : أنت صاحبنا ، فأعطاه بعيرا ونفقة ، وقال له : اطو أمرك ، وخرج ليلا إلى أن قدم المدينة ، ثم أقبل يسأل عن رسول اللّه فدل عليه ، وكان صلى اللّه عليه وسلم في مسجد بني عبد الأشهل ، فعقل راحلته وأقبل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : إن هذا يريد غدرا ، واللّه حائل بينه وبين ما يريد ، فجاء ليجني على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجذبه أسيد بن حضير رضي اللّه تعالى عنه بداخلة إزاره : أي بحاشيته من داخل ، فإذا بالخنجر فأخذ أسيد يخنقه خنقا شديدا ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أصدقني ، قال : وأنا آمن ؟ قال : نعم ، فأخبره بأمره فخلى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم ، أي وقال : يا رسول اللّه ما كنت أخاف الرجال ، فلما رأيتك ذهب عقلي وضعفت نفسي ، ثم اطلعت على ما هممت به ، فعلمت أنك على الحق ، فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبتسم . فعند ذلك بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ومن تقدم إلى أبي سفيان بمكة . أي وذلك بعد قتل خبيب بن عدي رضي اللّه تعالى عنه وصلبه على الخشبة . ومضى عمرو بن أمية رضي اللّه تعالى عنه يطوف بالبيت ليلا ، فرآه معاوية بن أبي سفيان رضي اللّه تعالى عنهما فعرفه ، فأخبر قريشا بمكانه ، فخافوه لأنه كان فاتكا في الجاهلية وقالوا : لم يأت عمرو بخير ، واشتدّوا في طلبه . قال : وفي رواية لما قدما مكة حبسا جمليهما ببعض الشعاب ، ثم دخلا ليلا ، فقال له صاحبه : يا عمرو لو طفنا بالبيت وصلينا ركعتين ثم طلبنا أبا سفيان ، فقال له عمرو : إني أعرف بمكة من الفرس الأبلق ، أي وإن القوم إذا تعشوا جلسوا على أفنيتهم ، فقال : كلا إن شاء اللّه ، قال عمرو : فطفنا بالبيت وصلينا ، ثم خرجنا لطلب أبي سفيان ، فلقيني رجل من قريش فعرفني ، وقال : عمرو بن أمية فأخبر قريشا بي ، فهربت أنا وصاحبي انتهى أي وصعدنا الجبل ، وخرجوا في طلبنا ، فدخلنا كهفا في الجبل ، ولقي عمرو رجلا من قريش فقتله : أي قتل ذلك الرجل عمرو ، فلما أصبحنا ، غدا رجل من قريش يقود فرسا ونحن في الغار ، فقلت لصاحبي : إن رآنا صاح بنا ، فخرجت إليه ومعي خنجر أعددته لأبي سفيان فضربته على يده فصاح صيحة أسمع أهل مكة ، فجاء الناس يشتدّون فوجدوه بآخر رمق فقالوا : من ضربك ؟ قال عمرو بن أمية ، وغلبه الموت فاحتملوه ، فقلت لصاحبي ، لما أمسينا : النجاء ، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة ، فمررنا بالحرس الذين يحرسون خشبة خبيب بن عدي رضي اللّه تعالى عنه ، فقال أحدهم : لولا أن عمرو بن أمية بالمدينة