الحلبي
240
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
يمسه مشرك في حياته ، وتقدم هنا أنه دعا اللّه أن يحمي لحمه فاستجاب اللّه له ، فلم يحصل له ذلك لا في حياته ولا بعد موته . أي وفي كلام بعضهم : لما نذر عاصم أن لا يمس مشركا وو في بنذره عصمه اللّه عن مساس سائر المشركين إياه ، فصار عاصم معصوما هذا . وقيل إن هؤلاء العشرة لم يخرجوا ليأتوا بخبر قريش ، وإنما خرجوا مع رهط من عضل والقارة ، وهما بطنان من بني الهون قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا يا رسول اللّه إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا في الدين ويقرءونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام ، فبعث صلى اللّه عليه وسلم معهم أولئك النفر ، فساروا حتى إذا كانوا على الرجيع استصرخوا عليهم هذيلا ، فلم يشعروا إلا والرجال بأيديهم السيوف فدعوهم فأخذوا أسيافهم ليقتلوا القوم ، فقالوا لهم : واللّه لا نريد قتلكم ، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ، ولكم عهد اللّه وميثاقه أن لا نقتلكم ، فأبوا الحديث ، والحافظ الدمياطي رحمه اللّه اقتصر على هذا الثاني ، وأن أميرهم كان مرثدا الغنوي رضي اللّه تعالى عنه ، فقال : سرية مرثد الغنوي إلى الرجيع ، قال قدم رهط من عضل والقارة فقالوا : يا رسول اللّه إن فينا إسلاما الحديث ، لكنه في سياق القصة قال وأمر عليهم عاصما وقيل مرثدا رضي اللّه تعالى عنهما ، وأخر هذه السرية عن السرية بعدها التي هي سرية القراء إلى بئر معونة . سرية القراء رضي اللّه تعالى عنهم إلى بئر معونة لما قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبو عامر بن مالك ملاعب الأسنة : أي ويقال له ملاعب الرماح وهو رأس بني عامر . أي ويقال له أيضا أبو براء بالمد لا غير ، وهو عم عامر بن الطفيل عدوّ اللّه ، أي وأهدي إليه صلى اللّه عليه وسلم ترسين وراحلتين فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا أقبل هدية من مشرك » . وفي رواية : « نهيت عن عطايا المشركين » . أقول : وفي كلام السهيلي أنه أهدي إليه فرسا ، وأرسل إليه إني قد أصابني وجع فابعث إلى بشيء أتداوى به فأرسل إليه صلى اللّه عليه وسلم بعكة عسل ، وأمره أن يستشفى به ، وقال : « نهيت عن زبد المشركين » قال السهيلي : والزبد مشتق من الزبد ، لأنه نهي عن مداهنتهم واللين لهم : كما أن المداهنة مشتقة من الدهن ، فرجع المعنى إلى اللين ، كذا قال ، ولعل هذا كان بعد ما تقدم . ويحتمل أن يكون قبله وهو الأقرب واللّه أعلم . فلما قدم عليه أبو عامر عرض عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام ، أي وقال إني أرى أمرك هذا أمرا حسنا شريفا ، أي ولم يسلم