الحلبي

182

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وكلمه الوفد في ذلك ، فقالوا : يا رسول اللّه أولئك ساداتنا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنما أريد بهم الخير ، ولم يجز أن تجري السهمان في مال مالك بن عوف ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لوفد هوازن : ما فعل مالك بن عوف ؟ قالوا : يا رسول اللّه هرب ، فلحق بحصن الطائف مع ثقيف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أخبروه أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله ، وأعطيته مائة من الإبل ، فلما بلغ مالكا ما صنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قومه وأن ماله وأهله موفور ، وما وعده به نزل من الحصن مستخفيا خوفا أن تحبسه ثقيف إذا علموا الحال ، وركب فرسه وركضه ، حتى أتى الدهناء ، محلا معروفا ، ركب راحلته ولحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأدركه بالجعرانة ، وأسلم وردّ عليه أهله وماله ، واستعمله صلى اللّه عليه وسلم على من أسلم من هوازن ، فكان لا يقدر على سرح لثقيف إلا أخذه ولا رحل إلا ميله ، وكان رضي اللّه تعالى عنه يرسل بالخمس مما يغنم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ا ه . أي وجاء أعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذا المحل الذي هو الجعرانة ، وهو المراد بقول بعضهم وهو بحنين ، لأن المراد منصرفه من غزوة حنين ، وعلى ذلك الأعرابي جبة وهو متضمخ بخلوق : أي مصفر لحيته ورأسه ، وقد أحرم بعمرة فقال : أفتني يا رسول اللّه . وفي رواية قال له : كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعد ما تضمخ بطيب ؟ فسكت ساعة ثم نزل عليه الوحي ، فلما سري عنه قال : أين السائل عن العمرة اخلع عنك الجبة ، واغسل عنك أثر الخلوق . وفي رواية قال له صلى اللّه عليه وسلم : ما كنت تصنع في حجك ؟ قال : كنت أنزع هذه الجبة ، وأغسل هذا الخلوق ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : اصنع في عمرتك ما كنت صانعا في حجك . واستند لذلك من يقول بحرمة التطيب قبل الإحرام بما يبقى عند الإحرام . والراجح عند إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه استحباب ذلك . وجاءه صلى اللّه عليه وسلم رجل فوقف على رأسه الشريف صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إن لي عندك موعدا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم له : صدقت فاحتكم ، فقال : أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : هي لك ، ولقد احتكمت يسيرا ، ولصاحبه موسى عليه الصلاة والسلام التي دلته على عظام يوسف عليه الصلاة والسلام كانت احزم وأجزل حكما منك حين حكمهما موسى عليه الصلاة والسلام ، فقالت : حكمي أن تردني شابة ، وأدخل معك الجنة ، كذا ذكره الغزالي رحمه اللّه . قال السخاوي : وهذا أخرجه ابن حبان والحاكم وصحح إسناده ، وفيه نظر كما قال العراقي ، وهذا أصل في عدم إخلاف الوعد بالخير . ونقل الإمام النووي رحمه اللّه أن جماعة ذهبوا إلى وجوب الوفاء بذلك ، ووجهه السبكي رحمه اللّه بأن إخلاف الوعد كذب ، والكذب حرام وترك الحرام واجب .