الحلبي
183
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وذكر الغزالي رحمه اللّه أن إخلاف الوعد لا يكون كذبا إلا إذا عزم حين الوعد على عدم الوفاء . أي ويدل لذلك ما جاء عن عبد اللّه بن ربيعة قال : « جاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير ، فذهبت لألعب ، فقالت أمي : يا عبد اللّه تعال أعطك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أردت أن أعطيه تمرا ، قال : لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة » . وأحرم صلى اللّه عليه وسلم من الجعرانة ودخل مكة ليلا ، واستمر يلبي حتى استلم الحجر ، ثم رجع من ليلته ، وأصبح بها كبائت . وفي لفظ : أصبح بمكة كبائت وفيه نظر ، ولم يسق هديا في هذه العمرة وحلق رأسه وكان الحالق لرأسه الشريف أبا هند الحجام وقيل أبو خراش بن أمية الذي حلق رأسه صلى اللّه عليه وسلم في الحديبية ، وأتى بأعمال العمرة بعد أن أقام بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة ، وقال : اعتمر منها سبعون نبيا . غزوة تبوك بعدم الصرف للعلمية والتأنيث : ووقع في البخاري صرفها نظرا للموضع ، أي ويقال لها غزوة العسيرة ، ويقال لها الفاضحة ، لأنها أظهرت حال كثير من المنافقين . ففي شهر رجب سنة تسع أي بلا خلاف ، ووقع في البخاري أنها كانت بعد حجة الوداع ، قيل وهو غلط من النساخ ، بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة الشام ، وأنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء المحل المعروف . أي وذكر بعضهم أن سبب ذلك أن متنصرة العرب كتبت إلى هرقل : إن هذا الرجل الذي قد خرج يدعي النبوّة هلك وأصابت أصحابه سنون أهلكت أموالهم ، فبعث رجلا من عظمائهم وجهز معه أربعين ألفا ، أي ولم يكن لذلك حقيقة ، أي وإنما ذلك شيء قيل لمن يبلغ ذلك للمسلمين ليرجف به وكان ذلك في عسرة في الناس وجدب في البلاد ، أي وشدة من نحو الحر ، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم أي وكونه عند طيب الثمار يؤيد قول عروة بن الزبير : إن خروجه صلى اللّه عليه وسلم لتبوك كان في زمن الخريف ، ولا ينافي ذلك وجود الحر في ذلك الزمن ، لأن أوائل الخريف وهو الميزان يكون فيه الحر ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها وورّى بغيرها ، إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد المشقة وشدة الزمن ، أي وكثرة العدو ، وليأخذ الناس أهبتهم ، وأمر الناس بالجهاز ، أي وبعث إلى مكة وقبائل العرب ليستنفرهم ، وحض أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل اللّه ، أي أكد عليهم في طلب ذلك ، وهي آخر غزواته صلى اللّه عليه وسلم ، وأنفق عثمان بن